تجد الصين نفسها مجددًا في قلب الجدل الدولي حول الحرب في أوكرانيا، مع إعلانها دعم “جميع الجهود الرامية إلى حل سلمي” ودعوتها إلى استمرار الحوار بين أطراف الصراع. التصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية الصينية في الذكرى السنوية لاندلاع الحرب جاءت لتؤكد تمسّك بكين بخطاب “الموقف الموضوعي والعادل”، وتقديم نفسها وسيطًا محتملًا لا طرفًا منحازًا. غير أن هذا الخطاب الدبلوماسي يصطدم بقراءات غربية وأوكرانية ترى في الدور الصيني عامل ترجيح غير مباشر لكفة موسكو، أو على الأقل عنصر تخفيف للضغوط المفروضة عليها.
تسعى بكين إلى تثبيت صورة الدولة التي لا “تصب الزيت على النار” ولا توظف الحرب لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية مباشرة، وفق توصيفها الرسمي. في هذا الإطار، تقدّم القيادة الصينية الدعوة إلى الحوار والمفاوضات بوصفها المسار الوحيد القابل للاستدامة لإنهاء الصراع، وتعلن استعدادها للعمل مع المجتمع الدولي للقيام بدور “بنّاء”. هذا الخطاب يتناغم مع الرؤية الصينية التقليدية التي تفضّل الحلول السياسية وتتحفظ على منطق العقوبات والضغوط العسكرية، لكنه يخدم في الوقت ذاته مقاربة أوسع تقوم على تعزيز صورة الصين كقوة مسؤولة تسعى إلى الاستقرار الدولي في مقابل ما تصفه بالفوضى الناجمة عن سياسات المواجهة الغربية.
غير أن هذه الصورة تصطدم بانتقادات متزايدة من واشنطن وحلفائها. فالتصريحات الأمريكية التي تُحمّل بكين دورًا رئيسيًا في دعم الغزو الروسي، ولو بشكل غير مباشر، تعكس قناعة غربية بأن الصين تمتلك أدوات ضغط حقيقية على موسكو، لكنها لا توظفها بالقدر الكافي لدفع الكرملين نحو تسوية. ويعزّز هذا الانطباع شعور كييف بأن بكين، رغم خطابها الداعي إلى السلام، لا تبدي حماسة عملية للعب دور الوسيط الضاغط، ما يجعل موقفها أقرب إلى “حياد مريح” يراعي مصالحها الاستراتيجية مع روسيا أكثر مما يراعي كلفة الحرب الإنسانية والسياسية على أوكرانيا.
يتعمق هذا التناقض حين تُقارن التصريحات الصينية بالوقائع الاقتصادية. فالتقارير التي تشير إلى زيادة واردات الصين من النفط الروسي الخاضع للعقوبات في الأشهر الأخيرة تعكس واقعًا يصعب فصله عن السياق السياسي للحرب. ففي الوقت الذي خفّضت فيه دول أخرى مشترياتها تحت ضغط العقوبات والاعتبارات السياسية، استفادت بكين من الخصومات الكبيرة التي يفرضها المنتجون الروس لتصريف نفطهم في أسواق بديلة. هذا الواقع يمنح موسكو متنفسًا اقتصاديًا في لحظة تتعرض فيها لضغوط مالية متزايدة، ويغذّي الاتهامات الغربية بأن الصين، حتى وإن لم تقدّم دعمًا عسكريًا مباشرًا، تسهم في تخفيف أثر العقوبات المفروضة على روسيا.
من زاوية بكين، لا يُنظر إلى هذه التعاملات بوصفها انحيازًا سياسيًا، بل امتدادًا لبراغماتية اقتصادية تسعى إلى تأمين احتياجات الطاقة بأسعار تفضيلية، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات حادة. غير أن هذا الفصل بين الاقتصاد والسياسة لا يُقنع خصوم الصين في الغرب، الذين يرون أن الاستفادة من النفط الروسي في ظل الحرب تضعف فعالية منظومة الضغط الدولية، وتُبقي موسكو قادرة على تمويل جزء من مجهودها الحربي.
في المحصلة، تعكس مقاربة الصين للحرب في أوكرانيا معادلة دقيقة بين خطاب دبلوماسي يدعو إلى السلام ويؤكد الحياد، ومصالح استراتيجية واقتصادية تربطها بروسيا وتدفعها إلى تجنّب أي قطيعة حادة معها. وبين هذين المسارين، تحاول بكين الحفاظ على موقع يسمح لها بالتحرك كوسيط محتمل إذا ما تهيأت ظروف التسوية، من دون أن تخسر شريكًا استراتيجيًا في مواجهة ضغوط النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. هذه الموازنة قد تمنح الصين هامش مناورة واسعًا، لكنها تُبقي صورتها الدولية معلّقة بين ادعاء الحياد واتهامات الاستفادة من حرب لم تكن يومًا طرفًا مباشرًا فيها.






