في خطوة لافتة، رحبت السلطة الفلسطينية بجهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب المشتعلة في قطاع غزة، معتبرة أن وقف القتال يشكل مدخلاً ضرورياً لإحياء المسار السياسي والوصول إلى تسوية شاملة، وجاء هذا الترحيب في بيان رسمي نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية، أكدت فيه السلطة التزامها بالعمل مع الولايات المتحدة وشركائها للتوصل إلى اتفاق يمهّد الطريق لسلام عادل على أساس حل الدولتين.
هذا البيان يعكس تحولاً ملحوظاً في لهجة السلطة تجاه واشنطن، بعد سنوات من القطيعة السياسية منذ إعلان «صفقة القرن» عام 2020، التي قوبلت برفض فلسطيني قاطع، غير أن السياق الإقليمي والدولي الحالي، بما يحمله من ضغوط لإنهاء الحرب، يدفع السلطة إلى التعامل مع الخطة الأميركية بحذر وبراغماتية في آن واحد.
عودة حل الدولتين إلى الواجهة
تراهن القيادة الفلسطينية على أن تكون الخطة الأميركية الجديدة مدخلاً لإعادة إحياء مبدأ حل الدولتين، بعد سنوات من الجمود السياسي والانقسام الداخلي، وترى أن إعادة طرح إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية على أجندة المجتمع الدولي، يمكن أن يمنحها زخماً سياسياً جديداً بعد تراجع مكانتها الإقليمية والدولية في السنوات الأخيرة.
لكن هذه الرؤية تصطدم بجملة من الحقائق المعقدة، أبرزها استمرار سيطرة حركة حماس على غزة، والرفض الإسرائيلي المستمر لأي دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية، كما أن واشنطن تميل إلى صياغة ترتيبات «مرحلية» طويلة الأمد، ما يثير مخاوف من تحويلها إلى واقع دائم لا يفضي إلى دولة مستقلة.
عقدة «نزع السلاح» تثير الانقسام
ومن أبرز القضايا الخلافية التي تكشفت مع تسريبات الخطة الأميركية، بند «نزع السلاح الثقيل» من قطاع غزة كشرط أساسي لأي ترتيبات سياسية لاحقة، لذلك ترى واشنطن أن هذا الشرط ضروري لضمان الأمن الإسرائيلي وإعادة هيكلة القطاع تحت إدارة موحدة، لكن هذه النقطة تحديداً تثير انقساماً فلسطينياً حاداً، فالفصائل المسلحة تعتبرها مسألة سيادية تمس جوهر مفهوم «المقاومة»، وترفض أي محاولة لنزع سلاحها خارج إطار تفاهم وطني شامل.
في المقابل، تنظر السلطة إلى نزع السلاح بوصفه فرصة لاستعادة السيطرة على القطاع، لكنها تخشى أن تجد نفسها أمام واقع أمني تفرضه أطراف دولية دون أن تكون هي صاحبة القرار الحقيقي فيه.
قراءة مزدوجة للموقف الفلسطيني
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيرزيت، د. سامر جرادات، أن موقف السلطة الفلسطينية يعكس «قراءة مزدوجة» للمشهد الحالي؛ فهناك إدراك لفرصة نادرة لإعادة طرح ملف الدولة الفلسطينية، وفي الوقت ذاته خوف من أن تطغى الترتيبات الأمنية على البعد السياسي.
ويحذر جرادات من أن تتحول غزة إلى نموذج «كيان منزوع السلاح والسيادة» يخضع لمراقبة إقليمية ودولية، إذا لم تترافق الإجراءات الأمنية مع ضمانات سياسية حقيقية وجدول زمني واضح لإقامة الدولة.
القدس.. الاختبار الأصعب للخطة الأميركية
وتبقى القدس في قلب المعادلة، إذ تعتبرها السلطة الفلسطينية «الاختبار الحقيقي» لأي مبادرة سياسية، فإدارة ترامب السابقة اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل، مما أدى إلى قطيعة سياسية حادة مع الفلسطينيين، واليوم، تراقب القيادة الفلسطينية بحذر ما إذا كانت الإدارة الأميركية مستعدة لتعديل موقفها حيال القدس الشرقية، أو الإبقاء على سياساتها السابقة.
مصادر في الرئاسة الفلسطينية تؤكد أن أي خطة لا تتضمن اعترافاً واضحاً بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية لن تحظى بقبول شعبي أو رسمي، مهما كانت الضغوط الدولية أو الإغراءات السياسية والاقتصادية، فالقدس بالنسبة للفلسطينيين ليست بنداً تفاوضياً بل جوهر الهوية الوطنية والسياسية.
ترتيبات انتقالية مقلقة
من جانبها، ترى الباحثة السياسية د. فداء الزعانين أن واشنطن تختبر مدى استعداد السلطة الفلسطينية للانخراط في ترتيبات انتقالية طويلة المدى قبل أي اعتراف نهائي بالدولة، وتحذر من تكرار تجربة اتفاق أوسلو، حيث تحولت الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم بسبب غياب الإرادة السياسية الدولية.
وتشير إلى أن الولايات المتحدة تحاول تحقيق توازن دقيق بين طمأنة إسرائيل أمنياً وطمأنة الفلسطينيين سياسياً، وهو توازن هش قد لا يصمد أمام تعقيدات الميدان والرفض الشعبي المحتمل.
مفترق طرق مصيري
وذكرت أنه في ضوء هذه التطورات، تقف السلطة الفلسطينية أمام مفترق طرق حاسم، فالمضي في خطة ترامب قد يفتح نافذة سياسية لإحياء مشروع الدولة الفلسطينية، لكنه قد يتحول أيضاً إلى فخ سياسي إذا غلب البعد الأمني على البعد السياسي، فمصير الخطة سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الفلسطينيين على توحيد موقفهم الداخلي أولاً، وعلى مدى استعداد واشنطن لتقديم ضمانات سياسية واضحة ثانياً، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات أمنية مؤقتة.
وبين الطموح الوطني والواقع الميداني المعقد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستكون خطة ترامب بداية فعلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس؟ أم أنها مجرد مرحلة جديدة لترسيخ واقع أمني هش في غزة؟ الإجابة لم تحسم بعد، لكن المؤكد أن مآلات هذه الخطة ستحدد شكل القضية الفلسطينية لسنوات طويلة قادمة.




