في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتعثر المسار الدبلوماسي، جدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عرضه للتوسط من أجل تسوية النزاع المرتبط بإيران، مؤكداً استعداد بلاده للعب دور محوري في تهدئة الأوضاع ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
وخلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، شدد بوتين على أهمية التوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي يضمن مصالح جميع الأطراف، في وقت تتزايد فيه المخاوف من عودة التصعيد العسكري بعد فشل جولة المفاوضات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد.
بيان الكرملين أوضح أن موسكو تواصل اتصالاتها المكثفة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، في محاولة لتهيئة بيئة مناسبة لإطلاق مسار تفاوضي جديد، يفضي إلى «سلام عادل ودائم» في الشرق الأوسط.
وساطة قديمة تتجدد
العرض الروسي ليس جديداً؛ إذ سبق أن طرحت موسكو فكرة الوساطة منذ المراحل الأولى للأزمة، محذرة من تداعيات التصعيد على استقرار المنطقة. غير أن هذا الطرح قوبل بفتور من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ما حدّ من فرص تحوله إلى مسار فعلي.
وفي تعليق لافت، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الروسي إلى التركيز على إنهاء الحرب في أوكرانيا قبل الانخراط في أدوار وساطة في أزمات أخرى، في إشارة تعكس استمرار التباين الحاد بين موسكو وواشنطن بشأن ملفات السياسة الدولية.
وبالتوازي مع التحركات السياسية، تصاعدت حدة الاتهامات الأميركية لروسيا، حيث زعمت واشنطن أن موسكو قدمت دعماً استخباراتياً ساعد إيران في استهداف مواقع عسكرية أميركية.
لكن روسيا سارعت إلى نفي هذه الاتهامات، معتبرة أنها تندرج ضمن «حرب الروايات» بين الطرفين، وسط احتدام المنافسة الجيوسياسية بين القوتين.
ورغم هذه الاتهامات، فإن إعادة طرح الوساطة الروسية تعكس رغبة الكرملين في استثمار حالة الجمود السياسي، خاصة بعد تعثر مفاوضات إسلام آباد التي كانت تُعوَّل عليها لفتح نافذة تهدئة.
طهران: اتفاق ممكن بشروط «عادلة»
من جانبه، أكد الرئيس الإيراني أن بلاده لا تزال منفتحة على التوصل إلى اتفاق، شريطة أن يكون «متوازناً ومنصفاً»، منتقداً ما وصفه بـ«النزعة الأحادية» و«المعايير المزدوجة» للولايات المتحدة.
وشدد على أن الخط الأحمر لإيران يتمثل في الحفاظ على مصالحها الوطنية وحقوق شعبها، معتبراً أن التوصل إلى اتفاق ليس بعيد المنال إذا التزمت واشنطن بالقانون الدولي.
كما أعرب عن تقديره للدور الروسي، سواء على مستوى الدعم السياسي في المحافل الدولية أو المساعدات الإنسانية، ما يعكس تقارباً متزايداً بين موسكو وطهران في مواجهة الضغوط الغربية.
النووي والصواريخ على الطاولة
ورغم غياب تفاصيل جديدة حول آلية الوساطة، فإن موسكو سبق أن طرحت أفكاراً عملية، من بينها نقل المخزون الإيراني من الوقود المخصب إلى الأراضي الروسية، إلى جانب تقديم ضمانات تتعلق بعدم استخدام القدرات الصاروخية الإيرانية لتهديد دول الجوار.
وتستند روسيا في ذلك إلى خبرتها السابقة في الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، حيث لعبت دوراً مهماً في تقديم ضمانات تقنية وسياسية، ما يعزز من فرص قبولها كوسيط محتمل في أي مفاوضات قادمة.
وتراهن روسيا على امتلاكها قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران ودول الخليج، وهو ما يمنحها ميزة نسبية في لعب دور الوسيط القادر على تحقيق توازن بين المصالح المتعارضة.
وفي هذا السياق، أكدت موسكو استمرار تنفيذ اتفاق الشراكة الاستراتيجية مع طهران، بالتوازي مع الحفاظ على التنسيق مع العواصم الخليجية، في محاولة لتفادي الانحياز الكامل لأي طرف.
أميركا فقدت هيمنتها
وعلى صعيد متصل، اعتبر السياسي الروسي أليكسي بوشكوف أن الولايات المتحدة فقدت مكانتها كقوة مهيمنة في المنطقة، رغم امتلاكها قدرات عسكرية ضخمة.
وأشار إلى أن نتائج المواجهة لم تحقق أهداف واشنطن، بل أفرزت تداعيات معاكسة، أبرزها تعزيز موقع إيران إقليمياً، خاصة في ظل سيطرتها المحتملة على مضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً حيوياً لتجارة النفط العالمية.
ووصف بوشكوف الصراع بأنه «حرب نموذجية لقوة عظمى في مرحلة تراجع»، معتبراً أن الأهداف الأميركية المعلنة لم تكن قابلة للتحقيق منذ البداية.
مضيق هرمز.. ورقة ضغط استراتيجية
برز ملف مضيق هرمز كأحد أهم تداعيات الأزمة، حيث قد يؤدي تشديد السيطرة الإيرانية عليه إلى تغييرات جيوسياسية عميقة، تمنح طهران نفوذاً كبيراً على أسواق الطاقة العالمية.
هذا التطور يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ جديد، في ظل ارتباط استقرار أسعار النفط بشكل مباشر بأمن هذا الممر البحري الحيوي، ما يزيد من أهمية أي جهود وساطة تهدف إلى احتواء التصعيد.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع موسكو تحويل عرض الوساطة إلى مسار تفاوضي فعّال؟.
الإجابة تبدو مرهونة بعدة عوامل، أبرزها مدى استعداد واشنطن للانخراط في مسار تقوده روسيا، وكذلك قدرة موسكو على تحقيق توازن دقيق بين مصالح الأطراف المتصارعة.
ومع استمرار التصعيد وتراجع فرص الحلول التقليدية، قد تجد القوى الدولية نفسها مضطرة لإعادة النظر في الدور الروسي، باعتباره أحد الخيارات القليلة المتاحة لتجنب انفجار إقليمي واسع.




