مع دخول الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا عامه الخامس، يعود الخطاب النووي إلى واجهة التصريحات الصادرة من موسكو. تقارير بحثية غربية ترى أن الكرملين يوظّف هذا النوع من الخطاب لتغيير زاوية الاهتمام الدولي، في وقت تعجز فيه القوات الروسية عن تحقيق اختراقات حاسمة على الأرض. الفكرة المركزية في هذه القراءة أن تضخيم التهديد النووي، أو التلميح إلى حوادث إشعاعية محتملة، يُستخدم أداةً نفسية وإعلامية لتحويل النقاش من إخفاقات ميدانية إلى مخاوف وجودية لدى الغرب والرأي العام العالمي.
سيناريو “الحادثة المعلّبة”
تشير تقديرات بحثية إلى أن موسكو قد تلجأ إلى استثمار حادث إشعاعي، سواء وقع بفعل عمليات عسكرية أو جرى تضخيمه إعلاميًا، لاتهام كييف بالمسؤولية عنه. مثل هذا السيناريو، حتى لو لم يصل إلى استخدام سلاح نووي فعلي، كفيل بإرباك العواصم الغربية ودفعها إلى إعادة تقييم مستويات الدعم لأوكرانيا. الفرضية المطروحة هنا لا تقوم على توقع استخدام نووي مباشر، بل على استغلال الخوف من التلوث الإشعاعي والكارثة النووية كسلاح ردع سياسي ونفسي.
البنية النووية الأوكرانية تحت النار
منذ الأيام الأولى للغزو، أصبحت المنشآت النووية الأوكرانية جزءًا من مسرح العمليات العسكرية. الهجمات المتكررة على محيط محطات الطاقة النووية والبنية التحتية المرتبطة بها رفعت منسوب القلق من احتمال وقوع حادث إشعاعي، سواء نتيجة القصف أو الأعطال الناجمة عن انقطاع الكهرباء. هذا الواقع يُضفي على أي خطاب نووي روسي مصداقية نفسية لدى الجمهور الدولي، لأن المخاطر لم تعد نظرية، بل مرتبطة بمنشآت قائمة تتعرض لضغوط عملياتية مستمرة.
اتهامات متبادلة وتوسيع دائرة الخصومة
في الآونة الأخيرة، اتجه الخطاب الروسي إلى توسيع دائرة الاتهام لتشمل عواصم غربية بعينها، مع التلميح إلى تورط محتمل في نقل وسائل أو مواد إشعاعية إلى أوكرانيا. هذا التخصيص في الاتهام يعكس انتقال موسكو من خطاب عام عن “التهديد الغربي” إلى استهداف سياسي مباشر لدول بعينها، في توقيت يتزامن مع نقاشات أوروبية حول الضمانات الأمنية لكييف وزيادة الدعم العسكري لها. من زاوية أخرى، يُقرأ هذا التصعيد بوصفه محاولة لردع بعض الشركاء الأوروبيين عن توسيع انخراطهم في دعم أوكرانيا عبر رفع سقف المخاطر الخطابية.
نمط متكرر من التهويل النووي
لا يأتي هذا الخطاب من فراغ، بل يندرج ضمن نمط سبق للكرملين توظيفه في محطات سابقة من الحرب، حين جرى التلويح بسيناريوهات “القنبلة القذرة” أو استخدام روايات غير مثبتة للتأثير في النقاشات الغربية حول طبيعة ومستوى الدعم العسكري لأوكرانيا. هذا النمط يقوم على رفع كلفة القرار السياسي لدى العواصم الداعمة لكييف عبر إدخال عامل الخوف من التصعيد النووي في الحسابات، حتى وإن بقي الاستخدام الفعلي لهذه الأسلحة مستبعدًا في المدى المنظور.
زابوريجيا… منشأة مدنية في قلب العسكرة
تُمثّل محطة زابوريجيا للطاقة النووية مثالًا صارخًا على تسييس البنية التحتية النووية وتحويلها إلى ورقة ضغط في الحرب. وجود قوات روسية في محيط المنشأة وتحويل أجزاء منها إلى نقاط تحصين عسكرية، وفق تقارير دولية، يجعل أي حادث محتمل في هذا الموقع عالي الخطورة ذا أبعاد عابرة للحدود. الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي عن المحطة خلال السنوات الماضية أعادت إلى الأذهان سيناريوهات كارثية، ليس فقط على أوكرانيا، بل على الإقليم بأسره، بالنظر إلى موقع المحطة وحجمها وقدرتها الإنتاجية.
بين الردع والتهويل: أين تقف المخاطر الفعلية؟
رغم تصاعد الخطاب النووي، تميل معظم التقديرات إلى استبعاد استخدام روسيا للسلاح النووي في هذه المرحلة، إدراكًا لما يحمله ذلك من تبعات استراتيجية يصعب احتواؤها. غير أن استبعاد الاستخدام لا يعني انتفاء الخطر. فإبقاء المنشآت النووية في قلب الصراع، واستثمار الخوف الإشعاعي في المعركة الإعلامية، يرفع منسوب المخاطرة غير المقصودة، حيث قد يؤدي خطأ عملياتي أو حادث عرضي إلى أزمة دولية واسعة النطاق.
في المحصلة، يبدو التصعيد النووي في الخطاب الروسي جزءًا من استراتيجية ضغط نفسية وإعلامية تهدف إلى إعادة تشكيل بيئة القرار الغربي أكثر من كونه تمهيدًا لاستخدام فعلي للسلاح النووي. غير أن اللعب على حافة الكارثة النووية، حتى بوصفه أداة خطابية، يظل مسارًا محفوفًا بمخاطر يصعب التحكم بمآلاتها في حرب دخلت عامها الخامس دون أفق واضح لتسوية قريبة.






