أثار التصعيد الأخير في الخطاب السياسي بلبنان جدلاً واسعاً بعدما اعتبر رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة أنّ التلويح بالحرب الأهلية من قِبَل «حزب الله» يمثّل تهديداً مباشراً للاستقرار الوطني.
جاءت تصريحات السنيورة في سياق تحذيرات متصاعدة من خطورة الانزلاق إلى فوضى جديدة، في ظل ما يشهده البلد من أزمات اقتصادية وسياسية خانقة.
رفض وطني واسع للخطاب التصعيدي
السنيورة شدد على أن استدعاء لغة الحرب الأهلية أمر غير مقبول ومرفوض من معظم القوى الوطنية، معتبراً أنّ السلم الأهلي خط أحمر لا يجوز تجاوزه.
وأكد أنّ اللبنانيين دفعوا ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب الماضية، ولا يمكن القبول بتكرار التجربة المأساوية. وأضاف أنّ استمرار انتشار السلاح خارج سلطة الدولة يقوّض الاستقرار ويضعف مؤسسات الشرعية.
ذاكرة الحرب الأهلية تطارد اللبنانيين
تحذيرات السنيورة أعادت إلى الأذهان شبح الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان بين عامي 1975 و1990، حينما تحولت البلاد إلى ساحة صراع دموي بين المكونات الطائفية والسياسية.
ويخشى مراقبون من أنّ استمرار الانقسام الحالي ووجود السلاح خارج سلطة الدولة قد يفتح الباب مجدداً أمام سيناريو مشابه، رغم أنّ اللبنانيين يعيشون حتى اليوم تداعيات تلك الحرب على البنية الاجتماعية والاقتصادية.
اتفاق الطائف.. المرجعية الغائبة
أشار محللون إلى أنّ اتفاق الطائف الذي وضع حداً للحرب الأهلية عام 1989 نصّ بوضوح على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
لكن عدم تطبيق هذا البند بشكل كامل، وظهور قوى مسلحة خارج سيطرة الحكومة، جعل من الاتفاق مجرد نصوص غير مُنفَّذة. السنيورة شدد في هذا السياق على أنّ العودة إلى روحية الطائف هو السبيل الوحيد لتثبيت السلم الأهلي.
انعكاسات خارجية تزيد التعقيد
لا ينفصل المشهد اللبناني عن محيطه الإقليمي المضطرب. فبحسب خبراء، يتأثر لبنان مباشرة بالصراعات في سوريا واليمن والعراق، فضلاً عن التوتر الإيراني – الأميركي الذي ينعكس على الساحة الداخلية.
السنيورة دعا إلى تحييد لبنان عن هذه التجاذبات، مؤكداً أنّ مصلحة البلاد تكمن في سياسة خارجية متوازنة تعيد لها دورها التاريخي كجسر للتواصل لا كساحة صراع.
الاقتصاد.. رهينة الاستقرار السياسي
المراقبون الاقتصاديون حذّروا من أنّ أي انفلات أمني جديد سيقضي على ما تبقى من القطاعات الإنتاجية في لبنان، خصوصاً السياحة والمصارف.
وأكدوا أنّ المستثمرين الأجانب والعرب لن يغامروا بضخ أموالهم في بلد مهدد بالفتنة. السنيورة لفت إلى أنّ الإصلاحات الاقتصادية لا يمكن أن تتحقق إلا تحت مظلة دولة قوية وقادرة على فرض القانون وحماية الاستثمارات.
ردود القوى السياسية: بين التأييد والتحفظ
ورحبت قوى سياسية عديدة بمواقف السنيورة، معتبرة أنّ صوته يعكس هواجس اللبنانيين وضرورة العودة إلى منطق الدولة.
في المقابل، ردّت أوساط قريبة من «حزب الله» بلهجة حادة، مؤكدة أنّ سلاح المقاومة «خط أحمر» ولا يمكن التفاوض بشأنه. هذا التباين الحاد في المواقف يكشف عمق الأزمة التي يعيشها لبنان، حيث يتداخل البُعد الطائفي مع الحسابات الإقليمية.
وعلى المستوى الشعبي، عبّر كثير من اللبنانيين عن قلقهم من لغة التصعيد، مؤكدين أنّ أي مواجهة جديدة ستقضي على ما تبقى من أمل بحياة كريمة.
فيما يرى آخرون أنّ الأزمة تجاوزت حدود التحذيرات، وأنّ الحل يتطلب إصلاحاً سياسياً جذرياً يضمن العدالة الاجتماعية ويوقف نزيف الهجرة. أصوات شبابية عدّة طالبت بانتفاضة سلمية جديدة ضد الفساد والسلاح غير الشرعي.
رسالة للمجتمع الدولي
في موازاة دعوته الداخلية، وجّه السنيورة رسالة إلى المجتمع الدولي بضرورة دعم لبنان في مسعاه لحماية سيادته واستقراره، عبر تعزيز مؤسساته الشرعية وتقديم الدعم الاقتصادي والإنساني.
وأشار إلى أنّ ترك لبنان يواجه أزماته منفرداً سيؤدي إلى انفجار جديد قد يتجاوز حدوده ليهدد الأمن الإقليمي بأكمله.







