تعيش الساحة اللبنانية في مرحلة شديدة الحساسية، وسط تزايد التحذيرات الدولية من احتمال تجدّد المواجهة العسكرية مع إسرائيل، في وقت تنقسم فيه التقديرات في بيروت بين من يرى أن البلاد تقف على أعتاب مرحلة أمنية خطيرة، ومن يعتبر أن ما يُثار ليس أكثر من حملة تهويل وضغوط سياسية تهدف إلى دفع الدولة اللبنانية نحو نزع سلاح «حزب الله» وتنفيذ التزاماتها الدولية ببسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
التحذيرات المتكرّرة التي ترد من العواصم الغربية، وخصوصاً واشنطن وتل أبيب، تعكس مخاوف حقيقية من انفجار الجبهة الشمالية لإسرائيل، في ظل قناعة لدى صناع القرار الغربيين بأن «حزب الله» لم يعد يمتلك القدرة العسكرية والمالية نفسها التي كان يتمتع بها قبل حرب 2023. فبعد الضربات الإسرائيلية المتكرّرة التي استهدفت مراكزه ومخازن أسلحته، باتت قدراته الدفاعية والهجومية موضع شك، رغم استمرار الحزب في خطاب التحدي والتأكيد على «جهوزيته» للرد.
ضغوط دبلوماسية لنزع سلاح حزب الله
الخبير العسكري والأمني العميد سعيد القزح يضع الأمور في إطار أكثر واقعية، مشيراً إلى أن الفارق كبير بين «إرادة حزب الله في خوض الحرب» و«قدرته الفعلية على خوضها». فبحسب القزح، حتى في مرحلة ذروته العسكرية ما بين 2006 و2023، عندما كان الحزب يمتلك آلاف الصواريخ وقوات «الرضوان» الخاصة، لم يتمكن من مجاراة التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي. أما اليوم، وبعد الانهيار الذي أصاب منظومته القتالية خلال الحرب الأخيرة، فإن الحديث عن قدرته على خوض مواجهة جديدة يبدو بعيداً عن الواقع. لكنه يضيف أن «الإرادة» السياسية للحرب قد تبقى قائمة، طالما أن الحزب مرتبط عضوياً بالمحور الإيراني، ويستجيب لمصالح طهران في صراعاتها الإقليمية، خصوصاً في ظلّ استمرار المفاوضات المتعثرة مع واشنطن.
على الجانب الرسمي، تبدو المقاربة اللبنانية أكثر ميلاً إلى التقليل من شأن «التهديدات» الدولية. فمصدر رسمي لبناني أكد أن زيارات الموفدين الأميركيين الأخيرة لم تحمل تهديداً مباشراً، بل ضغوطاً دبلوماسية من أجل تسريع تنفيذ القرار الدولي بنزع سلاح «حزب الله». وأوضح المصدر أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس لم تتحدث عن حرب مقبلة، بل عن «ضرورة فرض سيطرة الدولة على كامل أراضيها». غير أن التصريحات الأكثر تشدداً جاءت من المبعوث الأميركي توم برّاك، الذي قال إن لبنان «فقد الفرصة الأخيرة»، في إشارة إلى عجزه عن اتخاذ خطوات ملموسة لضبط الحدود الجنوبية. لكن هذا الكلام، بحسب المصدر ذاته، «فقد أهميته بعد أن أُسند الملف اللبناني إلى السفير الجديد ميشال عيسى، وتولت أورتاغوس الإشراف على المتابعة الأمنية».
إشارات مزدوجة للداخل والخارج
التقارير الإعلامية الغربية التي تحدّثت عن إعادة «حزب الله» بناء ترسانته وتسليح نفسه من سوريا، تلقى بدورها تشكيكاً واسعاً في بيروت. فالمصدر الرسمي اللبناني اعتبر أن هذه التقارير «مبالغ فيها»، لافتاً إلى أن إعادة بناء الترسانة التي استُهدفت في الحرب الأخيرة أمر شبه مستحيل في ظلّ الحصار والرقابة الجوية الإسرائيلية. وأشار إلى أن خطوط الإمداد التي كانت مفتوحة خلال السنوات السابقة لم تعد متاحة اليوم، ما يجعل أي عملية تسليح جديدة محفوفة بالمخاطر.
في المقابل، يحاول رئيس الجمهورية جوزيف عون إرسال إشارات مزدوجة للداخل والخارج، حين طلب من قائد الجيش العماد رودولف هيكل التصدي لأي توغل إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. فبحسب المصدر الرسمي، الرئيس لم يكلّف الجيش بشن هجوم أو فتح جبهة، بل أراد التأكيد على أن «الخروقات الإسرائيلية لا يمكن أن تستمر بلا ردّ»، وأن حماية السيادة لا تعني بالضرورة الانجرار إلى حرب شاملة. هذه الرسالة، كما يقول المصدر، «تُفهم جيداً في العواصم الصديقة للبنان»، التي تدرك أن قدرة الدولة على ضبط الميدان محدودة دون الانزلاق إلى مواجهة.
ورغم الأجواء المتوترة، لا تخلو بيروت من نبرة تفاؤل حذرة. فالمحلل السياسي ومدير مركز «المشرق للشؤون الاستراتيجية» الدكتور سامي نادر يرى أن خطر الحرب قائم لكنه غير وشيك، معتبراً أن إسرائيل في حالة تأهب دائم لكنها لم تتخذ قرار الحرب بعد. فنتنياهو، بحسب نادر، يواجه أزمة داخلية خانقة بعد اضطراره للقبول بوقف النار في غزة، ويبحث عن إنجاز عسكري يعيد إليه رصيده السياسي. وفي هذا السياق، قد يرى في الجبهة اللبنانية فرصة مناسبة للمناورة، تحت شعار تنفيذ القرارات الدولية وإزالة «التهديد الأمني» الذي يمثله «حزب الله».
هل ما زال حزب الله لديه نفوذ؟
لكن في المقابل، تشير المعطيات الميدانية إلى أن تل أبيب تفضل في المرحلة الحالية إدارة صراع محدود منخفض الكلفة. فالغارات الجوية التي تكثفت في الجنوب والبقاع خلال الأسابيع الأخيرة، وعمليات الاغتيال الدقيقة ضد قيادات ميدانية في الحزب، تشكل جزءاً من استراتيجية «الاستنزاف» دون الانزلاق إلى حرب شاملة. العميد القزح يؤكد أن إسرائيل «غير مضطرة لشنّ حرب واسعة طالما أنها قادرة على ضرب أهدافها عبر الجو»، متوقعاً في الوقت نفسه «تصعيداً موضعياً قد يشمل الضاحية الجنوبية أو مناطق أخرى في البقاع»، لكنه يستبعد أن يرد الحزب بعمليات كبيرة، لأنه يدرك أن أي مغامرة من هذا النوع قد تجرّ لبنان إلى كارثة سياسية واقتصادية جديدة.
يقف لبنان على حافة توازن دقيق بين تهديد الحرب وضغوط التسوية. فـ«حزب الله» يبدو أضعف ميدانياً، لكنه لا يزال يمتلك أوراق نفوذ داخلية وإقليمية تحول دون فرض نزع سلاحه بالقوة. أما الدولة اللبنانية، فتبدو عاجزة عن الإمساك الكامل بزمام المبادرة، مكتفية بخطاب السيادة والحذر الدبلوماسي. وبين هذه المعادلة الهشّة، تبقى البلاد رهينة قرارين: الأول في طهران، والثاني في تل أبيب، فيما يواصل اللبنانيون العيش على وقع قلقٍ مزمن، يراوح بين الحرب والسلام، من دون أن يملك أحد في الداخل القدرة على ترجيح كفة أحد الخيارين.






