يعود الجنوب اللبناني إلى واجهة النقاش الوطني والإقليمي مع إعلان الرئيس اللبناني جوزيف عون استعداد الدولة لتسلّم النقاط الحدودية المحتلة وإطلاق مسار جديد يهدف إلى ترسيخ سلطة الدولة وإعادة إعمار المناطق المتضررة. ومع أن هذا الخطاب يتضمن رؤية متقدمة لطبيعة الدولة وسيادتها، إلا أن السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن فعلياً تحقيق عملية تعمير شاملة للجنوب في ظل استمرار هيمنة «حزب الله» العسكرية والسياسية؟ وهل تسمح إسرائيل بإطلاق مشاريع إعادة الإعمار في منطقة تعتبرها ساحة صراع مفتوحة؟
خطة الإعمار ومعادلة السلاح
لبنان، منذ عقود، يعيش معادلة معقدة تُعرف بمعادلة «الدولة والدويلة». فقد نشأ الجنوب كمنطقة تقع في قلب توازنات إقليمية دقيقة، وصارت بنيته الأمنية والسياسية مرتهنة لعوامل تتجاوز قدرة الدولة المركزية على ضبطها. ورغم أن الرئيس عون يشدد اليوم على أن «لا استقلال حقيقي إلا بتحرير الجنوب وتعميره» وأن «لا شريك للدولة في سيادتها»، فإن الواقع على الأرض يشير إلى أن أي خطة لإعمار الجنوب ستصطدم أولاً بمعادلة السلاح خارج الدولة، وتحديداً سلاح «حزب الله»، الذي يواصل فرض سيطرته الأمنية والعسكرية على المناطق الحدودية، ويتحكم في القرار العملاني المرتبط بالحرب والسلم مع إسرائيل.
إعادة إعمار الجنوب ليست مجرد مشروع هندسي أو تنموي؛ بل هي عملية سياسية بامتياز، تتطلب بيئة مستقرة وقابلة للسيطرة. ومن دون احتكار الدولة لسلطة الأمن والقرار العسكري، فإن أي استثمار دولي أو عربي سيكون محفوفاً بالمخاطر. فالمؤسسات المانحة، والدول الراغبة في المساعدة، تشترط إطاراً قانونياً وأمنياً واضحاً يضمن عدم تدمير المشاريع بعد تنفيذها، وعدم تعريضها لتهديدات عسكرية. والخبرة اللبنانية في الحروب المتكررة مع إسرائيل تؤكد أن أي توتر، مهما كان صغيراً، كفيل بتدمير سنوات من العمل التنموي، وهو ما يجعل الجنوب منطقة عالية المخاطر بالنسبة للمستثمرين الدوليين.
تدمير البيئة الحاضنة لحزب الله
في المقابل، يدرك «حزب الله» نفسه أن الجنوب بات ورقة صراع أساسية في ميزان القوى مع إسرائيل، وأن دوره فيه ليس قابلاً للاستبدال بسهولة. فرغم تصريحات الرئيس عون التي دعت إلى «احتواء كل سلاح خارج الدولة» و«عودة الجميع إلى حضن الدولة»، إلا أن الحزب لا يظهر استعداداً جدياً للتخلي عن مكاسبه العسكرية في الجنوب، ولا عن دوره كقوة ردع، وفق تفسيره. بل إن خطابه السياسي يربط أي انسحاب أو إعادة تموضع بتسوية سياسية كبرى تشمل الصراع مع إسرائيل وترتيبات إقليمية أوسع.
عامل آخر لا يقل أهمية يتعلق بإسرائيل نفسها. فالسؤال ليس فقط: هل يستطيع لبنان إعمار الجنوب؟ بل: هل تسمح إسرائيل بهذا الإعمار أصلاً؟ التاريخ القريب يشير إلى أن إسرائيل تنظر إلى أي نشاط عمراني أو تنموي في الجنوب بوصفه تعزيزاً للوجود الاجتماعي والاقتصادي للبيئة الحاضنة لـ«حزب الله»، وبالتالي فإنها لم تكن في أي مرحلة متحمسة لإعادة الإعمار بلا قيود.
وفي الخطاب الأخير، ربط الرئيس عون عملية تسلّم الدولة للنقاط الحدودية بـ«وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب الجيش الإسرائيلي»، ما يعكس إدراكاً بأن الشروع في خطة تنموية شاملة لن يكون ممكناً من دون تفاهمات واضحة تضمن وقف الخروقات الجوية والبرية. غير أن إسرائيل، في ظل قيادتها الحالية وسياساتها الأمنية المتشددة، لن تتخلى بسهولة عن استراتيجيتها المستمرة منذ سنوات، والتي تقوم على منع أي تغيير جوهري في ميزان القوى جنوب الليطاني، بما في ذلك منع قيام بنية تحتية مدنية قد تتحول إلى غطاء لأعمال عسكرية.
تسلم النقاط الحدودية
وعلى الجانب السياسي، يدرك المجتمع الدولي أن أي خطة لإعمار الجنوب ينبغي أن تكون جزءاً من مسار سياسي أشمل، يضمن ضبط الحدود اللبنانية – الإسرائيلية وفق قواعد واضحة وتحت إشراف دولي. هنا تأتي أهمية ما أشار إليه الرئيس عون حول استعداد الدولة لعرض جدول زمني على «اللجنة الخماسية» يؤكد جهوزية الجيش اللبناني لتسلّم النقاط الحدودية. لكن هذا الطرح، رغم أهميته الرمزية، يصطدم بواقع قدرات الجيش المحدودة، وبحقيقة أن انتشار الجيش جنوباً يتطلب تنسيقاً دقيقاً مع «اليونيفيل» ضمن إطار القرار 1701، وهو قرار شهد خروقات متبادلة لسنوات دون قدرة المجتمع الدولي على فرض التزام كامل به.
وعلى افتراض أن لبنان نجح في انتزاع موافقة ضمنية من «حزب الله» لإطلاق مسار إعمار واسع، يبقى السؤال: هل يتحمل الحزب التبعات السياسية والاجتماعية لانكشاف الجنوب اقتصادياً؟ فإعادة الإعمار تعني دخول الدولة بقوة عبر مؤسساتها الإدارية والمالية، وعودة رقابة الأجهزة الرسمية، وهو ما قد يحد من هامش الحزب في بعض الملفات الحيوية، ويقلص حضوره كسلطة محلية رديفة في الجنوب. كما أن الإعمار يعني بطبيعة الحال بروز طبقة اقتصادية جديدة ستطالب بمزيد من الاستقرار وبإبعاد الجنوب عن المواجهات العسكرية، ما قد يشكل ضغطاً ضمنياً على الحزب للتخفيف من الدور العسكري التقليدي.
من زاوية أخرى، تؤكد التطورات الإقليمية الأخيرة، بما فيها التقارب السعودي – الأميركي الذي أشار إليه الرئيس عون، أن هناك توجهاً عربياً وغربياً لإعادة ترتيب المشهد في المنطقة، وأن لبنان لن يكون خارج هذا السياق. فإذا تبلورت تسوية إقليمية تشمل الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، فإن إعادة الإعمار قد تتحول إلى ورقة ضغط على «حزب الله» لدفعه نحو التماهي أكثر مع الدولة. لكن في المقابل، يبقى احتمال التعطيل قائماً، فالحزب قد يرى في أي مشروع تنموي شامل محاولة لتجريده تدريجياً من نفوذه.
الإصلاح السياسي أولا
أما على صعيد الداخل اللبناني، فإن فكرة «ثقافة الدولة» التي تحدث عنها الرئيس عون تمثل شرطاً أساسياً لنجاح الإعمار. فالمشكلة لا تتعلق بالسلاح فحسب، بل بقدرة الدولة على فرض القانون، ومنع الفساد، وتأمين بيئة استثمارية شفافة. ومن دون إصلاح سياسي وإداري حقيقي، سيبقى الإعمار مجرد شعار لا يمكن ترجمته عملياً. فالجنوب يحتاج إلى خطة تنمية متكاملة تشمل البنية التحتية، والمدارس، والطرقات، والقطاع الزراعي، والطاقة، وكل ذلك يتطلب تمويلاً ضخماً غير متاح حالياً في ظل الأزمة المالية اللبنانية المتفاقمة.
خلاصة الأمر أن قدرة لبنان على تعمير الجنوب تبقى مرتبطة بثلاثة شروط أساسية:
الأول، وجود اتفاق سياسي داخلي يضمن عودة سلطة الدولة كاملة على الأرض.
الثاني، تفاهمات أمنية واضحة مع إسرائيل برعاية دولية تضمن وقف الاعتداءات والتزام القرار 1701.
الثالث، دعم عربي ودولي مالي وتقني لإعادة الإعمار، ضمن إطار يضمن الشفافية والإشراف الدولي.
إعادة تعريف دور الدولة
لكن تحقق هذه الشروط مجتمعة ليس قريباً، بل يحتاج إلى تسوية سياسية كبرى تتجاوز الحدود اللبنانية، وتشمل الملف الإيراني – الإسرائيلي، وتوازنات الشرق الأوسط. في ظل هذه المعادلة، يمكن القول إن تعمير الجنوب ممكن نظرياً، لكنه عملياً رهين مجموعة من التعقيدات التي تجعل تنفيذه في المدى القريب صعباً. ومع ذلك، فإن الخطاب الأخير للرئيس عون يعكس إرادة سياسية جديدة تسعى لإعادة تعريف دور الدولة، وقد يشكل – إذا ترافق مع دعم عربي ودولي – بداية مسار بطيء لكنه قابل للتحقق إذا تبدلت الظروف الإقليمية.
لن يتمكن لبنان من تعمير الجنوب بفعالية من دون حل جذري لمسألة السلاح خارج الدولة، ومن دون قبول إسرائيلي – ولو ضمني – بإنهاء حالة الاشتباك المستمرة. وحتى ذلك الحين، سيظل الجنوب ساحة لتجاذبات سياسية وأمنية تمنع قيام نهضة تنموية مستدامة، مهما كانت الخطط المطروحة طموحة.






