انطلاق “أسطول الصمود العالمي” من ميناء برشلونة يفتح بابا جديدا للنقاش حول جدوى هذه المبادرات في كسر الحصار المفروض على غزة منذ ما يقارب عقدين. ما يميز هذه التجربة ليس فقط حجم المشاركة الذي وُصف بأنه الأضخم من نوعه، بل الطابع العابر للحدود والقارات، حيث يجتمع مئات النشطاء من 44 دولة، بينهم أطباء وفنانون ورجال دين ومحامون ومتطوعون مدنيون، في محاولة لخلق ضغط دولي شعبي موازٍ للقصور الرسمي للحكومات والمؤسسات الدولية.
صناعة حدث عالمي
من الناحية الرمزية، اختيار ميناء برشلونة لم يكن عابرا. المدينة وكتالونيا عموما تملك تاريخا طويلا في دعم القضية الفلسطينية، لكن الأهم هو الرسالة التي أراد المنظمون توجيهها: الميناء الذي استُخدم في السابق لنقل الأسلحة إلى إسرائيل يجب أن يُستعاد رمزه لصالح الدفاع عن حقوق الإنسان. هذا البعد الرمزي يضفي على الأسطول قوة معنوية، ويضع الحكومات الأوروبية أمام امتحان صعب: هل ستسمح لهذه المبادرة الإنسانية بالوصول أم ستتواطأ مجددا مع الحصار؟
لكن إذا انتقلنا إلى الجانب العملي، فإن التحدي الأكبر يظل في كيفية مواجهة التفوق العسكري والبحري الإسرائيلي. تجارب سابقة مثل سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، أو “حنظلة” و”مادلين” مؤخرا، أثبتت أن إسرائيل لن تتردد في اعتراض هذه القوافل، حتى لو كان ثمن ذلك انتهاك القانون الدولي والمياه الإقليمية. وبالتالي، فإن فرص الأسطول في الوصول فعليا إلى شواطئ غزة تبدو ضعيفة. ومع ذلك، فإن المنظمين أنفسهم يدركون أن الهدف ليس بالضرورة إيصال المساعدات مباشرة، بقدر ما هو صناعة حدث عالمي يفضح استمرار الإبادة والتجويع في القطاع، ويضغط على الحكومات المتورطة بالصمت أو الدعم العسكري لإسرائيل.
صرخة في وجه التواطؤ الدولي
نجاح الأسطول يمكن قياسه بمعايير متعددة: إنسانية، سياسية، وإعلامية. من حيث الإنسانية، هو محاولة لمد يد العون ولو رمزيا لسكان غزة. من حيث السياسة، هو رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الشعوب لا تقبل الحصار حتى وإن تقاعست الحكومات. أما من حيث الإعلام، فإن التغطية الواسعة والالتفاف الشعبي حوله يفتح نافذة جديدة لتسليط الضوء على مأساة غزة، في وقت تحاول فيه إسرائيل إخماد الأصوات الناقلة لمعاناة الفلسطينيين.
الواقعية تفرض الاعتراف بأن أسطول الصمود وحده لن يكسر الحصار بالمعنى المادي المباشر، لكنه يراكم رصيدا من الوعي العالمي ويعيد توجيه بوصلة التضامن نحو غزة، بعد أن حاولت أطراف عديدة حرف الأنظار عن المأساة المستمرة. كما أنه يعزز فكرة أن الحصار لم يعد مجرد قضية فلسطينية داخلية، بل جريمة كونية تستدعي تحالفات مدنية عابرة للحدود.
بعبارة أخرى، قد لا تنجح السفن في اختراق الطوق البحري الإسرائيلي، لكن مجرد إبحارها ينجح في كسر جدار الصمت العالمي. والأسطول، حتى وإن أعيد بالقوة، سيكون بمثابة صرخة في وجه التواطؤ الدولي، ورسالة بأن المجتمع المدني العالمي يملك أدواته للضغط والمواجهة، وأن حصار غزة لم يعد قابلا للتطبيع أو النسيان.






