في مشهد سياسي لا يخلو من الرمزية، أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، اليوم الخميس، أن حكومته مصممة على ردم فجوة الثقة التي تفاقمت في السنوات الأخيرة بين بيروت والعواصم الخليجية. تصريح بدا كإشارة واضحة على أن الرجل يدرك أن لا نهوض اقتصادي ممكن من دون إعادة ربط لبنان بشبكة علاقاته العربية، وخصوصًا مع دول الخليج التي شكّلت تاريخيًا الرئة المالية للبلد المثقل بالأزمات.
سياسة الرماد لم تعد مجدية
ما قاله نواف سلام ليس مجرد كلام دبلوماسي. إنه تلويح بتغيير في النهج السياسي الذي لطالما اتُّهمت به الحكومات اللبنانية السابقة، تلك التي دفنت رأسها في رمال “الخصوصية اللبنانية” وتغاضت عن تدهور العلاقات مع الرياض وأبو ظبي والكويت، تحت ضغط تحالفات داخلية عابرة للحدود، وعلى رأسها تحالف “حزب الله” المحسوب على إيران.
وقد وجدت هذه الفجوة انعكاسها المباشر في انكفاء الدعم الخليجي، سواء عبر الاستثمارات، أو المساعدات المالية، أو حتى عبر السياحة والتحويلات، التي كانت تمثل موردًا حيويًا في اقتصاد هشّ. ففي لحظة انهيار مصرفي واجتماعي خانق، بات لبنان يكتشف متأخرًا أن إدارة ظهره لعواصم القرار العربي لم تكن مجرّد خيار سياسي، بل مغامرة وجودية دفع ثمنها المواطن اللبناني من لقمة عيشه وكرامته.
نواف سلام: رجل المرحلة أم مجرد واجهة؟
يرى مراقبون أن نواف سلام، القاضي والدبلوماسي السابق، لا يشبه أسلافه من رؤساء الحكومات الذين أداروا أزمات لبنان عبر التسويات الهشة. فالرجل يحمل سجلًا نخبويًا دوليًا، ويحظى بقبول مبدئي من المجتمع الدولي، كما يُنظر إليه على أنه شخصية مستقلة نسبيًا عن مراكز النفوذ التقليدية. وهذا يمنحه رصيدًا قد يُستخدم لإعادة فتح الأبواب المغلقة في الخليج.
لكن هذا الرصيد لن يكون كافيًا وحده. فما تنتظره العواصم الخليجية من لبنان اليوم لا يقتصر على النوايا الحسنة، بل يتطلب مقاربة واقعية تُعيد تثبيت مسافة واضحة بين الدولة اللبنانية والكيانات التي اختطفت قرارها السيادي لصالح أجندات إقليمية. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي قد تُكبّل حركة نواف سلام، مهما كانت نيّاته سليمة.
الخليج: دعم مشروط لا “شيك على بياض”
منذ بدء الأزمة اللبنانية في أواخر 2019، حرصت الدول الخليجية على إرسال إشارات واضحة: لا مساعدات بلا إصلاحات، ولا دعم بلا استعادة الدولة لسيادتها وهيبتها. والمقصود هنا ليس فقط إصلاحات اقتصادية بالمعنى الضيق، بل تفكيك منظومة الفساد والمحاصصة التي التهمت المساعدات السابقة، وإحداث تغيير حقيقي في التموضع السياسي اللبناني إقليميًا.
من هذا المنطلق، فإن زيارة نواف سلام المرتقبة إلى الخليج (في حال تأكدت) ستكون محكومة بهذا السياق: هل يحمل الرجل تصورًا عمليًا لإعادة الاعتبار للدولة؟ هل يستطيع أن يقدّم تطمينات حقيقية بأن حكومة لبنان لم تعد رهينة حسابات حزب الله أو ممرًا لتبييض الأزمات الإيرانية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستكون شرطًا أساسيًا لإعادة فتح الصناديق الخليجية، التي لم تُقفل يومًا عن لبنان بدافع الخصومة، بل بسبب خيبات متكررة من سياسات عبثية لم تترك مجالًا للثقة.
المطلوب أكثر من الابتسامات
صحيح أن الدفء في العلاقات يبدأ بالكلمات، لكن الواقع اللبناني يتطلب أكثر من ذلك. فإعادة المال الخليجي لا تعني فقط توقيع اتفاقات أو طلب مساعدات، بل تتطلب رؤية شاملة تضع لبنان على مسار التعافي الحقيقي، لا على مسارات تدوير الأزمة.
وما لم يُرفق خطاب نواف سلام بمواقف شجاعة تجاه سلاح “حزب الله”، وتجاه أجهزة الفساد العميقة التي تتغذى من الدولة، فإن أي أمل بعودة المال الخليجي سيبقى مرهونًا بالوعود لا الأفعال.
الفرصة الأخيرة؟
ربما يكون نواف سلام أمام فرصة نادرة — وربما أخيرة — لإعادة وصل لبنان بحاضنته العربية. لكن هذه الفرصة، مثل كل الفرص السياسية، سريعة التبخر ما لم يُبادر إلى خطوات نوعية تتجاوز حدود البروتوكول. فالثقة لا تُستعاد بخطاب، بل بخطة، والمساعدات لا تأتي لمن يطلبها، بل لمن يثبت أنه يستحقها.






