في تطور يعكس تشابك المسارات بين الدبلوماسية والضغط العسكري، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستعداده لإجراء «بعض المناقشات» مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في وقت تتجه فيه واشنطن نحو أعلى مستويات التصعيد ضد كراكاس منذ سنوات. وجاء تصريح ترامب في لحظة حساسة، تزامن فيها الحشد العسكري الأميركي الكثيف في البحر الكاريبي مع خطوات سياسية مشددة، أبرزها إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو نية بلاده تصنيف «كارتيل دو لوس سوليس» في فنزويلا كمنظمة إرهابية أجنبية.
المفارقة التي التقطها مراقبون أن ترامب لم يُظهر وضوحاً بشأن طبيعة «المناقشات» التي قد يجريها مع مادورو، مكتفياً بالقول إن «فنزويلا ترغب في التحدث»، قبل أن يعقب بتصريح متردد: «سأتحدث إلى أي شخص. سنرى ما سيحدث». لكن هذا التردد الظاهري لا يحجب حقيقة أن واشنطن تفتح الباب أمام مفاوضات مشروطة، بينما ترفع مستوى الضغط العسكري والاقتصادي إلى مستوى غير مسبوق.
غواية القوة: أكبر حشد عسكري في الكاريبي منذ جيل كامل
بالتوازي مع التلويح بالحوار، دفعت واشنطن بأكبر قوة بحرية إلى منطقة البحر الكاريبي منذ عقود. دخول حاملة الطائرات العملاقة «يو إس إس جيرالد فورد» – الأحدث والأكبر في الأسطول الأميركي – شكّل نقطة تحول لافتة في استراتيجية الضغط على فنزويلا. فالحاملة التي ترافقها مدمرات صواريخ موجهة وأسراب من الطائرات المقاتلة، انضمت إلى قوة نارية تضم 12 سفينة حربية ونحو 12 ألف جندي ضمن «عملية الرمح الجنوبي».
تؤكد البحرية الأميركية أن المهمة رسمياً «لمكافحة المخدرات»، لكن حجم القوة ونوعية السفن المشاركة يذهبان بعيداً عن معتاد العمليات المرتبطة بضبط التهريب. وهو ما دفع محللين في واشنطن للقول إن الإدارة الأميركية تستخدم ملف المخدرات كمدخل قانوني وأخلاقي لحشد عسكري موجَّه أساساً لشل قدرات نظام مادورو.
وقد أشار الأدميرال بول لانزيلوتا، قائد المجموعة القتالية، إلى أن الهدف «حماية أمن بلادنا وازدهارها من إرهاب المخدرات». أما الأدميرال ألفين هولسي، قائد منطقة البحر الكاريبي، فذهب إلى أبعد من ذلك حين تحدث عن «استعداد القوات الأميركية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود»، في إشارة تُقرأ في فنزويلا على أنها رسالة مباشرة للنظام الحاكم.
عمليات قتالية و«رسائل نارية» في البحر والجو
بالتزامن مع نشر الحاملة، أعلن الجيش الأميركي تنفيذ غارة جديدة على قارب يُشتبه في نقله مخدرات شرق المحيط الهادئ، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص. وتعد هذه العملية رقم 21 منذ سبتمبر الماضي، ضمن سلسلة ضربات أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 83 شخصاً. وبثت القيادة الجنوبية فيديو لنسف القارب، في خطوة فُسِّرت بأنها رسالة سياسية بقدر ما هي عسكرية.
وتشير تقديرات تحليلية أميركية إلى أن واشنطن تريد من خلال تواتر الضربات البحرية إبراز صورة قوة متدخلة، قادرة على «فرض أثمان» على أي طرف تعتبره جزءاً من شبكات المخدرات أو داعماً لها، بما في ذلك مسؤولون مقربون من مادورو، الذين يتهمهم البيت الأبيض بارتباط مباشر بالكارتيلات.
تدريبات عسكرية على أبواب فنزويلا… واستنفار إقليمي
لم يقتصر النشاط العسكري الأميركي على البحر؛ إذ تجري القوات الأميركية تدريبات في كل من ترينيداد وتوباغو – التي تبعد سبعة أميال فقط عن فنزويلا – وبنما. واعتبر مسؤولون في ترينيداد أن التدريبات «مواجهة للجرائم العابرة للحدود»، بينما أكد وزير الجيش الأميركي دان دريسكول إعادة تفعيل المدرسة العسكرية في بنما، قائلاً إن القوات ستبقى «جاهزة للتحرك في أي وقت» إذا تطلب الأمر.
هذه التطورات دفعت مراقبين في أميركا اللاتينية إلى التحذير من أن واشنطن تبني «هندسة ضغط محكمة» تتجاوز مكافحة المخدرات، نحو ملامح عملية تطويق سياسي – أمني لنظام مادورو.
واشنطن تتجه إلى تصعيد قانوني: «كارتيل دو لوس سوليس» منظمة إرهابية
في خطوة من شأنها مضاعفة القيود على النظام الفنزويلي، أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو أن الإدارة الأميركية تستعد لتصنيف «كارتيل دو لوس سوليس» كمنظمة إرهابية أجنبية ابتداءً من 24 نوفمبر. ويقول روبيو إن مادورو ومسؤولين كباراً في حكومته يقودون هذا الكارتيل الذي يتهمونه بالتعاون مع منظمات مصنفة إرهابية، مثل «ترين دي أراغوا» و«كارتيل سينالوا» المكسيكي.
وبدخول التصنيف حيّز التنفيذ، سيصبح أي «دعم مادي» للكارتيل أو أعضائه جريمة فدرالية، ما يتيح للولايات المتحدة استخدام أدوات مالية وقانونية أكثر صرامة ضد كراكاس، بما في ذلك العقوبات الموسعة والملاحقات القضائية العابرة للحدود.
هل تمهد واشنطن لعملية أكبر… أم لصفقة أكبر؟
بين حشد القوة البحرية، وتصعيد الخطاب السياسي، وفتح باب «مفاوضات مشروطة»، يقرأ محللون أميركيون المشهد على أنه محاولة مزدوجة:
رفع السقف إلى أقصى حد، ثم اختبار استعداد مادورو لعقد صفقة سياسية تحفظ لترامب إنجازاً في أميركا اللاتينية قبل مراحل انتخابية حساسة.
لكن بقاء مادورو في السلطة بدعم روسي وصيني يجعل أي تغيير جذري أكثر تعقيداً، ما يرجح – وفق مصادر دبلوماسية – أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيجاً من الضغط المستمر ومحاولات الجسّ السياسي، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.







