في خان يونس، مشهد لطفلة تنحني على قدمي والدها المسجّى، تودّعه بقبلة أخيرة قبل أن يُوارى الثرى، كان كفيلاً بأن يلخّص حجم المأساة التي يعيشها أطفال غزة. لم يكن والدها يحمل سلاحًا، بل خرج بحثًا عن لقمة تسدّ جوع أطفاله، فعاد إليهم شهيدًا. الطفلة التي اعتادت أن تنتظر عودته محمّلًا بالخبز أو علبة حليب، استقبلته هذه المرة مسجّى بلا حراك. لم تجد سوى قدميه الباردتين لتسكب دموعها وتودّع من كان سندها الوحيد في عالم يتهاوى من حولها.
طفلة تمسك صورة لوالدتها الشهيدة
في شوارع غزة، تتكرر القصة بأشكال مختلفة. أطفال يتجوّلون بين ركام البيوت، يفتشون بين الحجارة عن بقايا لعبٍ مكسورة تعيد لهم شيئًا من الطفولة. آخرون يلتفون حول أمهاتهم اللاتي يواجهن جوعًا ينهش الأجساد بلا رحمة. طفل فقد صوته من شدة البكاء، وآخر لم يعد يبكي أصلًا بعدما أنهكته شهور طويلة من الحرمان. تقارير “يونيسيف” تتحدث عن أطفال فقدوا القدرة حتى على البكاء، وكأن الدموع جفّت في عيونهم قبل أوانها.
في مخيمات النزوح، أصوات الأمهات تختلط بأنين الأطفال. أحد الصغار يسأل عن أبيه الذي لم يعد منذ أن خرج ليجلب الطعام من مركز المساعدات. لم يدرك أن والده سقط برصاصٍ لم يفرّق بين مسلّح وجائع. فيما طفلة أخرى تقف عند باب الخيمة، تمسك صورة لوالدتها الشهيدة، تسأل كل من يمر: “متى ترجع؟”. لا أحد يملك جوابًا سوى الصمت الموجع.
اللقمة ثمنها رصاصة
المجاعة التي وصفها مفوض “أونروا” بأنها “جحيم بكل المعاني” تحوّلت إلى واقع يعيشه الأطفال يوميًا. الجوع لم يعد مجرد حرمان من الطعام، بل صار معركة حياة أو موت يخوضها كل طفل غزي مع الزمن. الخوف من أن تكون اللقمة الأخيرة ثمنها رصاصة، أو أن يصبح الطريق إلى الطحين آخر طريق في الحياة.
وبينما ينكر الاحتلال وجود المجاعة، تصرخ الشهادات الميدانية والعيون الصغيرة المكحلة بالدخان والجوع بحقيقة لا يمكن إنكارها. أطفال غزة لا يحلمون الآن بألعاب جديدة أو بداية عام دراسي، بل بوجبة تُبقيهم على قيد الحياة، وبحضن أب أو أم لم يختطفهما القصف أو الرصاص.






