تكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إلى جانب ما أعلنته مؤسسة غزة الإنسانية، عن أزمة مزدوجة في قطاع غزة، لا تتعلق فقط بانعدام الأمن الغذائي وتدهور الوضع الإنساني، بل تتجاوز ذلك إلى أزمة عميقة في الثقة والمساءلة بين الأطراف العاملة في مجال الإغاثة، وسط بيئة مشحونة بالصراع السياسي والاتهامات المتبادلة. ما يجري عند نقاط توزيع المساعدات ليس مجرد إخفاق إداري أو أمني، بل يعكس مأساة إنسانية متفاقمة، تشكّل امتدادًا لصراع تتقاطع فيه السياسة مع المعاناة البشرية.
خطورة الوضع الإنساني
إعلان المؤسسة الإنسانية عن استشهاد 20 شخصًا في خان يونس، بعد يوم واحد فقط من تقرير أممي يفيد بسقوط 875 قتيلًا خلال الأسابيع الستة الماضية في ظروف مماثلة، يعيد طرح الأسئلة القديمة – الجديدة: من المسؤول عن حماية المدنيين؟ ومن يضمن حيادية العمل الإغاثي في منطقة تحكمها النار والحصار والاتهام؟
التصريحات الأممية، التي أكدت أن أرقامها مستقاة من مصادر موثوقة متعددة، من بينها منظمات حقوقية وصحية، تعكس مدى خطورة الوضع الإنساني في غزة، وتُبرز في الوقت ذاته حجم الفجوة بين ما يجري على الأرض وما يُعلَن رسميًا من قبل الجهات المتورطة أو المتهمة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بالتسبب في هذه الكوارث. ومن اللافت أن المؤسسة، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، رفضت الاعتراف بحصول أي حوادث في نقاطها، وذهبت حد اتهام الأمم المتحدة بالتضليل، وهو اتهام يحمل في طياته أبعادًا سياسية وأمنية عميقة.
سياسات ممنهجة ضد الشعب الفلسطيني
في قلب هذه الأزمة، تكمن أزمة الثقة. حين تختلف روايات منظمات الإغاثة الكبرى، وتتقاطع في مساحات الاتهام والنفي، يفقد السكان المحاصرون ما تبقى من يقين بجدوى العمل الإنساني أو بسلامته. يصبح المساعدات نفسها مصدر خطر، ويُنظر إلى قوافل الإغاثة بعين الشك، لا الرجاء، وسط غياب أي آلية دولية فعالة لضمان توزيع المساعدات في بيئة آمنة وشفافة.
الجانب الأخطر في التصريحات الأممية، هو الإشارة إلى أن المساعدات تُوزَّع في مناطق معرضة للخطر بشكل ممنهج، وأن المدنيين الذين يسعون إليها يصبحون أهدافًا سهلة للقتل، سواء بفعل القصف أو الفوضى أو ظروف الانهيار الأمني. وهذا بحد ذاته يتطلب مساءلة دولية لا تقتصر على توجيه الإدانة، بل على التحقيق الجاد، خاصة إذا كانت بعض هذه المساعدات تجري تحت إشراف أو بتمويل أطراف منخرطة في النزاع ذاته.
أما تكرار استخدام تعبير “استشهاد” في الخطاب الفلسطيني، في المقابل، فيعكس ليس فقط حجم الفقد، بل أيضًا توجهًا سياسيًا لتوصيف الضحايا ضمن سياق المقاومة ضد الاحتلال، ما يزيد من حدة الخطاب ويعزز فكرة أن ما يجري ليس مجرد خطأ إغاثي بل جزء من سياسات ممنهجة تُمارس ضد الشعب الفلسطيني.
انهيار شامل لقواعد الحماية
على المستوى الإقليمي والدولي، تُلقي هذه التطورات بظلال قاتمة على ثقة الرأي العام العالمي في دور الأمم المتحدة والمنظمات المدعومة سياسيًا، إذ يُطرح السؤال بشكل متزايد: هل باتت المساعدات الإنسانية أداة للسيطرة أكثر من كونها وسيلة إنقاذ؟ وهل يتم توظيف العمل الإغاثي ضمن أجندات جيوسياسية، سواء عبر مسارات التوزيع أو عبر آليات الرقابة والمحاسبة؟
ما تعكسه التصريحات الأممية ليس مجرد مأساة إنسانية تُقاس بالأرقام، بل حالة انهيار شامل لقواعد الحماية والكرامة، وتهديدًا مباشرًا لوظيفة العمل الإنساني كمجال محايد. أما استمرار القتل عند نقاط المساعدات، وسط صمت وتواطؤ دولي، فهو بمثابة إعلان غير معلن عن نهاية ما تبقى من ضوابط أخلاقية للحرب في غزة.






