تشير ردود فعل الأسواق العالمية إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران لم تُقرأ كحدث عسكري معزول، بل كعامل خطر جيوسياسي مباشر يهدد شريان الطاقة العالمي، وفي مقدمته مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا. لذلك جاء الارتفاع الحاد في أسعار النفط – سواء الخام الأمريكي أو خام برنت – تعبيرًا فوريًا عن تسعير الأسواق لاحتمال تعطل الإمدادات، لا عن نقص فعلي تحقق بعد.
تراجع العقود الآجلة لمؤشري S&P 500 وDow Jones Industrial Average بأكثر من 1% يعكس انتقال المستثمرين إلى وضعية “تجنب المخاطر”، وهي الحالة التي تتجه فيها السيولة نحو أصول أكثر أمانًا مثل الذهب والدولار وسندات الخزانة الأمريكية. في المقابل، حدّت مكاسب شركات الطاقة والدفاع من خسائر بعض الأسواق، خصوصًا في آسيا، حيث استفادت أسهم الشركات المرتبطة بالإنفاق العسكري وارتفاع أسعار الخام.
انخفاض العقود الآجلة الأمريكية
وهزت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران الأسواق العالمية يوم الاثنين، حيث انخفضت العقود الآجلة الأمريكية بأكثر من 1% وارتفعت أسعار النفط، على الرغم من أن مكاسب شركات المقاولات الدفاعية وشركات النفط ساعدت في الحد من الخسائر في التداولات الآسيوية.
انخفضت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 ومؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 1.7%. وارتفع سعر برميل النفط الأمريكي القياسي بنسبة 9% ليصل إلى 73 دولارًا للبرميل. كما ارتفع سعر خام برنت بنسبة تقارب 10% ليصل إلى حوالي 80 دولارًا للبرميل. حسب وكالة اسوشيتد برس.
افتتحت الأسواق الأوروبية على انخفاض حاد. فقد تراجع مؤشر داكس الألماني بنسبة 2.2% إلى 24,737.47 نقطة، بينما انخفض مؤشر كاك 40 في باريس بنسبة 1.9% إلى 8,413.91 نقطة. وتراجع مؤشر فوتسي 100 البريطاني بنسبة 1% إلى 10,800.63 نقطة.
تداعيات الحرب على أسعار النفط
انخفضت الأسهم في معظم الأسواق الآسيوية، لكنها ارتفعت في شنغهاي، حيث أدت أسعار النفط المرتفعة إلى رفع أسهم بعض شركات النفط مثل سينوك، وشركة البترول والكيماويات الصينية، وبتروتشاينا إلى الحد الأقصى البالغ 10%. ارتفع مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 0.5% إلى 4182.59، بينما في هونغ كونغ، خسر مؤشر هانغ سينغ 2.1% إلى 26059.85.
كما انخفض مؤشر نيكاي 225 الياباني في البداية بأكثر من 2%، وأغلق منخفضاً بنسبة 1.4% عند 58,057.24 نقطة. وعوضت هذه الخسائر الأخرى ارتفاع أسهم الشركات العاملة في قطاع الدفاع، بما في ذلك شركتي ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة وشركة IHI.
أنهى مؤشر S&P/ASX 200 الأسترالي تداولاته دون تغيير عند 9200.90. وفي الهند، التي قد تواجه اضطرابات في وصولها إلى النفط بسبب الأعمال العدائية، انخفض مؤشر سينسيكس بنسبة 2.1%. وانخفض مؤشر بورصة تايوان بنسبة 0.9%، ومؤشر بورصة سنغافورة بنسبة 2.3%. أما في بانكوك، وهي وجهة سياحية رئيسية في الشرق الأوسط، فقد تراجع مؤشر بورصة تايلاند بنسبة 3.1%. حسب وكالة اسوشيتد برس.
أُغلقت الأسواق في كوريا الجنوبية بمناسبة العطلة. ارتفع سعر الذهب، الذي يُنظر إليه عادةً على أنه ملاذ آمن للاستثمار في أوقات عدم اليقين، بنسبة 3.4% ليصل إلى حوالي 5426 دولارًا للأونصة. ارتفع الدولار الأمريكي أيضاً، ليصل إلى 157.20 ين ياباني من 156.27 ين في وقت متأخر من يوم الجمعة. في المقابل، انخفض اليورو إلى 1.1708 دولار أمريكي من 1.1762 دولار أمريكي.
تعطيل إمدادات النفط من إيران
يراهن التجار على أن الحرب ستؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط من إيران ومناطق أخرى في الشرق الأوسط. وقد أدت الهجمات في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك على سفينتين كانتا تعبران مضيق هرمز ، المدخل الضيق للخليج العربي، إلى تقييد صادرات النفط إلى بقية العالم.
قال ستيفن إينيس من شركة إس بي آي لإدارة الأصول في تعليق له: “يمر ما يقرب من خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية عبر مضيق هرمز. إنها ليست قناة غامضة، بل هي الشريان الأورطي لنظام الطاقة العالمي”. من المرجح أن تؤدي الحرب المطولة إلى ارتفاع أسعار أنواع الوقود الأخرى والبنزين، وقد ينتشر هذا الارتفاع في جميع أنحاء الاقتصاد العالمي، مما يزيد من تكاليف الإنتاج بشكل عام.
وقالت شركة رابو ريسيرش للاقتصاد والأسواق العالمية في تقرير لها إن الانقطاعات المطولة في تدفقات النفط عبر الشرق الأوسط سيكون لها “تداعيات هائلة على النفط والغاز الطبيعي المسال وكل الأسواق في كل مكان إذا حدث ذلك. فالطاقة عنصر أساسي في جميع عمليات الإنتاج”.
تُصدّر إيران نحو 1.6 مليون برميل من النفط يومياً، معظمها إلى الصين. وقد تضطر للبحث عن مصادر إمداد بديلة في حال تعطل صادراتها، وهو عامل آخر قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
يُعدّ حجم احتياطيات النفط الاستراتيجية الصينية سراً من أسرار الدولة. لكن تقريراً حديثاً أعدّه جون كيمب من شركة “بيس ريسيرش” قدّرها بما يتراوح بين 1.1 و1.2 مليار برميل، أي ما يعادل واردات تكفي لحوالي 100 يوم أو ما يزيد قليلاً عن ثلاثة أشهر.
تأثير الحرب على الأسواق
كان تأثير الحرب على الأسواق محدوداً إلى حد ما لأن الهجمات كانت متوقعة، مع حشد هائل للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط. لذلك قام المتداولون بتعديل مراكزهم لأخذ هذا الخطر في الاعتبار.
لقد حوّل الصراع الانتباه، في الوقت الحالي، بعيداً عن القضايا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التي هيمنت على الأسواق في الأشهر الأخيرة. يوم الجمعة، انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.4% ليختتم بذلك ثاني شهر خاسر له فقط في آخر 10 أشهر. وانخفض مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 1.1%، وانخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 0.9%.
قال إينيس: “عندما تكون الأسواق هشة، فإنها لا تحتاج إلى ضربة قاضية”. كما أثر سلباً على السوق بشكل عام تقرير صدر يوم الجمعة أظهر أن التضخم على مستوى البيع بالجملة في الولايات المتحدة بلغ 2.9٪ الشهر الماضي، وهو أعلى بكثير من نسبة 1.6٪ التي توقعها الاقتصاديون.




