دخل المشهد السوري خلال الساعات الأخيرة، مرحلة مفصلية جديدة وذلك بعد إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع توقيع اتفاق رسمي مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي، يقضي بوقف إطلاق النار الشامل وبدء مسار الاندماج الكامل لـ«قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، في خطوة وُصفت دولياً بأنها تحول نوعي نحو إنهاء سنوات من الانقسام والصراع.
حل الملفات مع قسد
أكد الشرع، في مؤتمر صحفي مساء أمس الأحد، أن «كل الملفات العالقة مع قسد سيتم حلها»، مشيراً إلى أن الاتفاق يفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الحكومة السورية والقوات الكردية، ويضع أسساً واضحة لإعادة بسط سيادة الدولة على كامل الجغرافيا السورية.
ووفق وثيقة رسمية نشرتها الرئاسة السورية، ينص الاتفاق على «وقف إطلاق نار شامل وفوري على جميع الجبهات ونقاط التماس»، بالتزامن مع انسحاب جميع التشكيلات العسكرية التابعة لـ«قسد» إلى شرق نهر الفرات، كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار وبدء تنفيذ بنود الاندماج.
كما تضمنت الوثيقة تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية، إلى جانب تسليم حقول النفط والمعابر الحدودية، وإصدار مرسوم رئاسي بتعيين محافظ للحسكة ودمج جميع المؤسسات المدنية فيها ضمن مؤسسات الدولة.
دمج عسكري وأمني بشروط
وأكدت بنود الاتفاق دمج جميع العناصر العسكرية والأمنية التابعة لـ«قسد» بشكل فردي ضمن هيكليتي وزارتي الدفاع والداخلية، بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجيستية وفق القوانين المعمول بها، مع التأكيد على «حماية خصوصية المناطق الكردية».
كما نص الاتفاق على إخلاء مدينة عين العرب “كوباني” من المظاهر العسكرية الثقيلة، وتشكيل قوة مدنية من أبناء المدينة، إضافة إلى دمج ملف سجناء تنظيم «داعش» ضمن مؤسسات الدولة السورية لتتولى الحكومة المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة عنه.
وفي خطوة لافتة، ألزمت الاتفاقية «قسد» بإخراج جميع قيادات وعناصر حزب «العمال الكردستاني» غير السوريين خارج البلاد، «ضماناً للسيادة الوطنية واستقرار دول الجوار».
ترحيب أميركي وتحول سياسي
من جانبه، اعتبر المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس برّاك، أن الاتفاق يمثل «نقطة تحول محورية»، مشيداً بما وصفه بـ«الجهود البناءة» التي بذلتها الحكومة السورية و«قسد» للوصول إلى وقف إطلاق النار.
وقال براك في منشور عبر منصة «إكس»، إن الاتفاق «يمهد الطريق أمام حوار متجدد وتعاون نحو سوريا موحدة»، مضيفاً أن الأطراف المعنية اختارت «الشراكة بدلاً من الانقسام»، في إشارة إلى تغير واضح في مقاربة إدارة الصراع داخل سوريا.
جدير بالذكر أن هذه التطورات التي في ظل مساعي إقليمية ودولية متزايدة لدفع المسار السياسي في سوريا، بعد سنوات من الجمود العسكري وتعدد مناطق النفوذ، خصوصاً في شمال وشرق البلاد.
وشكلت «قوات سوريا الديمقراطية» لاعباً رئيسياً بدعم من التحالف الدولي في مواجهة تنظيم «داعش»، مع احتفاظها بإدارة ذاتية ومؤسسات أمنية وعسكرية منفصلة عن الدولة السورية.
إعادة ترتيب المشهد
وخلال الفترة الماضية، تصاعدت الضغوط على الأطراف كافة لإعادة ترتيب المشهد الأمني والإداري في المناطق الشرقية، بالتزامن مع تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة، وملفات شائكة تتعلق بإدارة حقول النفط، والمعابر الحدودية، وسجون عناصر «داعش»، إلى جانب المخاوف الإقليمية المرتبطة بوجود عناصر من حزب «العمال الكردستاني» داخل الأراضي السورية.
وسبق الاتفاق الجديد سلسلة اتصالات غير معلنة ورعاية دولية هدفت إلى خفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع، في ظل تغيرات لافتة في المقاربات الدولية تجاه الملف السوري، ما أعاد طرح خيار دمج القوى المحلية ضمن مؤسسات الدولة بوصفه مدخلاً لاستعادة الاستقرار، وتعزيز وحدة الأراضي السورية، وتهيئة الأرضية لمرحلة سياسية وأمنية جديدة.




