في تطور ميداني لافت يعكس التزامًا حذرًا بوقف إطلاق النار المعلن مؤخرًا، أمن الجيش السوري، أمس الجمعة، انسحاب مئات المقاتلين من «قوات سوريا الديمقراطية» “قسد” من محافظة الرقة باتجاه مدينة عين العرب “كوباني” في ريف حلب الشرقي، وسط مساعي فرنسية حثيثة لضمان صمود التهدئة ومنع انزلاق الأوضاع مجددًا نحو التصعيد.
نقل عناصر قسد
وأفادت هيئة العمليات في الجيش السوري بأن وحداته بدأت عملية نقل عناصر «قسد»، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري، من سجن الأقطان ومحيطه في محافظة الرقة إلى مدينة عين العرب، مؤكدة أن القوات الحكومية سترافق المنسحبين حتى محيط المدينة لضمان تنفيذ الانسحاب وفق التفاهمات القائمة.
وبالتوازي مع ذلك، بثت مواقع إخبارية كردية صورًا ومقاطع مصورة تُظهر وصول مئات المقاتلين التابعين لـ«قسد» مع آلياتهم العسكرية إلى مدينة كوباني، التي غطت الثلوج طرقاتها، في مشهد عكس الطابع المنظم لعملية الانسحاب.
وعلى الصعيد السياسي، كشفت مصادر في الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون «عمل منذ البداية على خفض التصعيد والتوصل إلى وقف لإطلاق النار» بين الأكراد والحكومة السورية، مشيرة إلى أن باريس تنظر إلى الهدنة الحالية باعتبارها «بالغة الهشاشة».
سر تدخل فرنسا
وأكدت المصادر أن الهدف الأساسي لفرنسا يتمثل في تأمين صمود وقف إطلاق النار ومنع تجدّد المواجهات العسكرية بين الطرفين، لافتة إلى أن كلاً من «قسد» ودمشق يُعدّان من «أصدقاء» باريس، ما يدفعها إلى لعب دور الوسيط الساعي للحفاظ على الاستقرار وتجنب انفجار ميداني جديد في شمال سوريا.
جدير بالذكر أن «قوات سوريا الديمقراطية» “قسد” هي أحد أبرز الفاعلين العسكريين في شمال وشمال شرق سوريا منذ تأسيسها عام 2015 بدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وتمكنت خلال سنوات الحرب من بسط سيطرتها على مساحات واسعة، خاصة في محافظات الرقة والحسكة وأجزاء من دير الزور، بعد دور محوري في هزيمة تنظيم «داعش».
وشهدت العلاقة بين «قسد» والحكومة السورية تقلبات حادة بين التنسيق المحدود والتوتر العسكري، في ظل خلافات حول شكل الإدارة الذاتية، ومستقبل المناطق ذات الغالبية الكردية، وملف دمج القوات المسلحة.
غياب اتفاق سياسي
ورغم عقد جولات تفاوض غير معلنة في فترات سابقة، فإن غياب اتفاق سياسي شامل أبقى احتمالات التصعيد قائمة، خصوصًا في مناطق التماس شمال البلاد.
وتكتسب مدينة عين العرب “كوباني” أهمية رمزية واستراتيجية بالغة، إذ تحولت إلى أيقونة للمقاومة ضد تنظيم «داعش» عام 2014، كما تمثل مركز ثقل كردي على الحدود السورية – التركية.
وتخضع المدينة لحساسية أمنية خاصة بسبب موقعها الجغرافي، ما يجعل أي تحركات عسكرية فيها محل متابعة إقليمية ودولية دقيقة.
وفي هذا السياق، تحاول أطراف دولية، وفي مقدمتها فرنسا، لعب دور ضامن غير مباشر لخفض التصعيد، مستندة إلى علاقاتها مع الطرفين، وسط تحذيرات متكررة من هشاشة أي ترتيبات أمنية مؤقتة في ظل تعقيدات المشهد السوري وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، الأمر الذي يجعل تثبيت وقف إطلاق النار تحديًا مفتوحًا على احتمالات متعددة.




