اتخذت الحكومة الجزائرية، خطوة هامة في إطار مساعيها لمكافحة الفساد، حيث شرعت في تنفيذ آلية قانونية جديدة تتيح تأجيل الملاحقة القضائية لبعض الشركات المتورطة في قضايا مالية، مقابل إعادة الأموال أو الأصول التي جرى تحويلها أو الاستيلاء عليها بطرق غير قانونية.
وتأتي هذه الخطوة، التي عُرفت بـ«مسار استرجاع الأموال المنهوبة»، في سياق بحث الدولة عن مقاربة متوازنة تجمع بين حماية المال العام وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي والحفاظ على مناصب الشغل، بعيداً عن التعقيدات التي تفرضها المسارات القضائية الطويلة، وسط جدل سياسي وقانوني متجدد حول حدود التسوية ومفهوم العدالة في قضايا الفساد.
تعليق مؤقت للإجراءات القضائية
من جانيه، أعلن وزير العدل لطفي بوجمعة عن هذه الآلية خلال مؤتمر «الأمن القانوني كمحرّك للتنمية الاقتصادية» الذي انعقد بالعاصمة الجزائر، السبت، وشارك فيه الوزير الأول سيفي غريب وقضاة ومسؤولو الأجهزة الحكومية المكلفون بمحاربة الفساد. وتتيح تسديد القروض البنكية وكل المستحقات والمبالغ التي تم الحصول عليها من ممارسات الفساد، بديلاً عن الملاحقة القضائية «مؤقتاً».
وأشار الوزير إلى أن ذلك لا يعني تخلي الدولة عن ملاحقة المتورطين في الفساد قضائياً، ولا إسقاط التهم عنهم، ولا منحهم عفواً، «بل هو تعليق مؤقت للإجراءات القضائية، ويبقى مشروطاً بالتزام الشركة محل شبهة فساد، بشكل كامل، بتنفيذ ما طُلب منها. وفي حال الإخلال بهذه الالتزامات تُستأنف المتابعة القضائية تلقائياً». حسب وكالات.
وأضاف وزير العدل الجزائري، أن هذا لا يشمل كل الجرائم، وإنما يقتصر على جرائم مالية واقتصادية محددة، خصوصاً تلك المتعلقة بتحويل الأموال إلى الخارج أو التصرف غير القانوني في الأصول. وفي مقابل الاستفادة من هذا الإجراء، يتم إلزام الشركة إما بإعادة الأموال المحولة إلى الخارج، وإما استرجاع الأصول محل المخالفة، وإما دفع قيمتها المعادِلة إذا تعذر الإرجاع، إضافة إلى تسديد الغرامات والضرائب وكل الحقوق المالية المترتبة عن أفعال الفساد المنسوبة إليها.
وتابع بوجمعة: «في سياق تنفيذ الأحكام الجديدة لقانون الإجراءات الجزائية، أعطينا توجيهات للنيابة العامة بضرورة التطبيق السليم والموحد لإطار تحريك الدعاوى العمومية ضد مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية، والمؤسسات الصناعية والتجارية العمومية».
تمكين الدولة من استرجاع الأموال بسرعة
وحسب الشرق الأوسط، قال قضاة مكلفين بملفات محاربة الفساد، أن الهدف هو تمكين الدولة من استرجاع الأموال بسرعة، والحفاظ على النشاط الاقتصادي ومناصب الشغل، وتشجيع الاستثمار، بدلاً من اللجوء إلى مسارات قضائية طويلة تؤدي في أحيان كثيرة إلى توقف المؤسسات وضياع الأموال خارج البلاد.
وقال أحد القضاة، مفضلاً عدم نشر اسمه: «يتمثل التوجه الجديد، حسب التوجيهات التي أسداها وزير العدل، في سعي الدولة إلى تحقيق توازن بين حماية المال العام، ومحاربة المخالفات من جهة، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، وعدم تعطيل المؤسسات المنتجة من جهة أخرى، مع التأكيد على أن هذا الإجراء يبقى مشروطاً بالالتزام الكامل، ولا يُعد تهاوناً مع الفساد».
وشدد وزير العدل الجزائري، على الهيئات القضائية بشأن التطبيق السليم والموحَّد لقرار منع تحريك الدعوى العمومية ضد مسيّري المؤسسات العمومية الاقتصادية، والمؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري، في حال ارتكاب أخطاء في التسيير لا تكون لها صلة بالفساد المالي أو الإداري، مشيرًا إلى أن التشريعات الجديدة في قانون العقوبات تضمنت إدراج أحكام تُجرِّم وتعاقب بشدة كل فعل من شأنه عرقلة الاستثمار أو المساس به.
إصلاحات تشريعية ومراجعة القانون التجاري
وفي نفس السياق، قال رئيس الحكومة الجزائرية، سيفي غريب، إن الحكومة بصدد إصلاحات تشريعية من خلال مراجعة عميقة للقانون التجاري، ليتلاءم مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد الوطني ومراعاةً لخصوصيات الفعل الاقتصادي، ومراجعة التشريعات التي تحكم سير المؤسسات الاقتصادية والتجارية، لرفع التجريم عن الأخطاء المتعلقة بالتسيير والمبادرات التي يقوم بها المسؤولون عن هذه المؤسسات لتطويرها، والتي لا صلة لها بالفساد، بهدف تحرير المبادرة وتشجيع المسؤولين على تنفيذ أفكار جريئة لصالح المؤسسات.
وأكد غريب أن التشريعات الجديدة ستعزِّز التدابير التي تضمنها قانون الإجراءات الجزائية الجديد الصادر في شهر أغسطس/آب الماضي، والذي أقرّ عدم تحريك الدعوى العمومية والملاحقة القضائية ضد مسيّري المؤسسات العمومية الاقتصادية، إلا بناءً على شكوى مسبقة من الهيئات الاجتماعية لهذه المؤسسات، “بهدف حماية المسيّرين في حالة ارتكاب أخطاء في التسيير ومن كل الممارسات التي قد يتعرضون لها والمؤدية لعرقلة مبادراتهم الاستثمارية”.






