بين ركام البيوت، وتحت سماء لا تعرف سوى القصف والرصاص، تتفتح يوميًا قصص من الألم والصبر، كأنها شقوقٌ في جدار المستحيل. هناك، في أقصى الجنوب الفلسطيني، لا يُصارع الناس الموت فقط، بل يُلازمهم الجوع كظلٍّ ثقيل، يُثقل أجسادهم ويقضم كرامتهم رويدًا رويدًا. ففي غزة المنهكة، أصبح الوصول إلى وجبة طعام مغامرة محفوفة بالموت، والنجاة من المرض لا تعني شيئًا إذا كانت بطون الأطفال خاوية.
تحكي قصة سمية، وهي أم مصابة بالسرطان، وأخرى الطفل سامي الذي بالكاد تجاوز الثالثة عشرة، واقعًا إنسانيًا تجاوز حدود الاحتمال. وجوههم ليست استثناء، بل مرآة لأزمة إنسانية تُختزل فيها معاناة شعب بأكمله؛ شعبٍ باتت النجاة فيه مرهونة بكيس طحين يُنتزع من فم النار، أو زجاجة ماء تُجلب عبر نيران القناصة.
هذه القصص، التي تختزلها التفاصيل الصغيرة، ليست حكايات فردية، بل شهادات دامغة على انهيار منظومة العدالة الإنسانية، وسط صمت دولي مطبق، وأرقام إغاثية لم تعد تلامس واقع الناس على الأرض.
سمية: سرطان وجوع وكرامة مهددة
في أحد أزقة غزة المنهكة بالقصف، تحاول سمية أن تزاحم الحياة قبل الموت. امرأة في الرابعة والثلاثين، مصابة بسرطان في مرحلته الأخيرة، وتتحرك بساق مصابة منذ قُصف منزل مجاور لها. لكنها لا تخرج من بيتها بحثاً عن علاج، بل من أجل وجبة قد لا تكفي، لكنها تعني البقاء لأطفالها الخمسة.
تقول والدمع يسبق صوتها: “لم يقتلني السرطان حتى الآن، لكني قد أموت من الجوع في أي لحظة”.
كل يوم تخوض مغامرة محفوفة بالموت نحو معبر زيكيم شمال غربي غزة. تصل أحياناً على عربة كارو، وأحياناً أخرى يحملها بعض الشباب على ظهورهم لساعات، فقط لتبلغ نقطة تتساقط فيها بقايا المساعدات تحت وابل الرصاص.
تفادي الموت
النساء هناك يفترشن الأرض، وجوههن للأرض وظهورهن للسّماء، يحاولن تفادي الموت المتناثر كالغبار. “المساعدات صارت مصيدة”، تقول سمية، “أحياناً يتناثر علينا الدم فنظن أننا قُتلنا، لكنه دم من كان بجانبنا”.
المشهد يتكرر يوميًا، ومعه تتكرر الانتهاكات: لم تسلم من التحرش القسري أثناء الزحام، أو من الألم حين شق أحدهم يدها بآلة حادة ليسرق منها كيس الطحين الذي حصلت عليه بشق الأنفس.
في مرة، توسلت إليه أن يترك لها شيئًا واحدًا فقط: “كِيلو واحد بس لأولادي”، فلم يستجب. تم خياطة يدها في مستشفى الشفاء بلا مخدر. تصمت قليلًا، ثم تقول: “يومها تمنيت الموت، لأني لم أستطع أن أطعم أطفالي”.
في وجه الجوع، تختفي الخصوصيات وتتفكك حدود الجسد والحياء. تقول: “أن يُحمَلك شاب غريب على ظهره لأنك لا تستطيعين المشي، أن يفترش الرجال والنساء الأرض فوق بعضهم لتفادي الرصاص… كلها أشياء نكتمها في قلوبنا ولا نستطيع قولها حتى لأزواجنا”.
سامي: الطفل الذي يركض نحو الطحين والموت معاً
في صباح حارق بمدينة غزة، يرتدي سامي ماهر قميصًا باهت اللون، ويحمل على كتفه الصغير مسؤولية تفوق عمره بثلاثة أضعاف. عمره 13 عامًا فقط، لكنه تحول إلى معيل فعلي لعائلة من 12 فردًا بعد أن غادر والده القطاع لمرافقة حفيده الجريح في رحلة علاجية خارجية.
يبدأ يومه بجمع الحطب من بين الركام، يبيعه ليؤمّن أجرة العربة التي تقله إلى مركز المساعدات في رفح. وهناك، يفترق عن أخيه وسط الحشود، ويخوض ماراثونًا شاقًّا في الشمس وتحت الرصاص، من أجل القليل من الطحين أو العدس.
“يقفزون فوقي، يضربونني، يدوسونني”، يروي سامي ببراءة موجعة، “لكن أصعب شيء هو أن أرى جثثًا تسقط أمامي وأنا أحاول فقط أن أُطعم إخوتي”.
وفي مرات كثيرة، لم يعد بشيء. “أن أعود للبيت خالي اليدين وأرى إخوتي جائعين، هذا أكثر شيء يكسّرني”، يقول: الرعب الذي يرافقه لم يتوقف عند الرصاص، ففي إحدى المرات وضع أحدهم سكينًا على رقبته وسرق حقيبته. تكررت الحادثة ثلاث مرات. كان صغيرًا، خائفًا، لا يملك سوى دموعه.
لكن رغم كل ذلك، لا ينوي التراجع. “سأظل أذهب، حتى لو مت، على الأقل أكون حاولت أن أطعمهم”.






