تحذيرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) الأخيرة تعكس صورة شديدة القتامة عن واقع غزة، الذي بات يقترب من نقطة اللاعودة. المفوض العام للوكالة، فيليب لازاريني، تحدث عن “تدمير شامل” وتحول تدريجي للقطاع إلى “أرض قاحلة وغير صالحة للسكن البشري”، وهي صياغة غير مسبوقة من مسؤول أممي، تحمل دلالات سياسية بقدر ما تعكس المأساة الإنسانية على الأرض.
حملة تدمير واسعة
الوقائع الميدانية تثبت ذلك: عشرة مبانٍ تابعة للأونروا تعرضت للقصف في غضون أربعة أيام فقط، بينها سبع مدارس وعيادتان كانتا تستخدمان كملاجئ لآلاف النازحين. وفي سياق موازٍ، شن الاحتلال الإسرائيلي حملة تدمير واسعة للمباني السكنية المرتفعة، استهدفت أبراجاً مثل “الكوثر” و”الجندي المجهول”، ضمن نهج ممنهج حوّل الحياة المدنية إلى ركام. وبحسب المعطيات الرسمية، دُمّر منذ 11 أغسطس أكثر من 1600 برج وعمارة سكنية بشكل كامل، وألفي برج آخر تضرر بشكل بالغ، إضافة إلى آلاف الخيام. النتيجة المباشرة كانت تشريد أكثر من مئة ألف فلسطيني إضافي في مدينة غزة وحدها.
هذا الدمار الممنهج لا يمكن فصله عن التحليلات التي تربط ما يجري بمخطط تهجير قسري أوسع. فالقصف لا يستهدف فقط البنية التحتية والمساكن، بل يضغط على السكان لدفعهم جنوباً، في ظل انعدام الأمان وغياب الملاجئ. ويذهب مراقبون أبعد من ذلك حين يعتبرون أن ما يجري يشكل جزءاً من مشروع مدعوم أميركياً لإفراغ غزة تدريجياً، بما يتقاطع مع سياسة إسرائيل طويلة الأمد في منع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
قصف مراكز الأونروا
البعد الإنساني يتجلى بشكل أكثر إيلاماً في أرقام الضحايا. فبحسب الإحصاءات الأخيرة، خلّفت الحرب منذ أكتوبر 2023 أكثر من 64 ألف شهيد و164 ألف مصاب، معظمهم من النساء والأطفال. المجاعة بدورها حصدت أرواح 422 فلسطينياً، بينهم 145 طفلاً، في مؤشر على أن المعركة لم تعد تُخاض فقط بالقنابل، بل أيضاً عبر حصار الغذاء والدواء. تصريحات لازاريني عن توقف الرعاية الصحية في مخيم الشاطئ، وتراجع خدمات المياه والصرف الصحي إلى نصف طاقتها، توضح أن مقومات البقاء الأساسية تنهار بوتيرة سريعة.
على المستوى الدولي، تبرز أزمة مصداقية النظام الأممي. فالأونروا، التي يفترض أن تكون أداة لحماية اللاجئين، تتحول هي نفسها إلى هدف للقصف، ويُقتل موظفوها أو يُهجَّرون، بينما يواصلون العمل في ظروف “غير إنسانية للغاية” كما وصفها لازاريني. هذه المفارقة تطرح سؤالاً عن حدود قدرة المجتمع الدولي على حماية مؤسساته، فضلاً عن حماية المدنيين أنفسهم.
مكان غير صالح للحياة
المشهد في غزة إذن ليس مجرد حرب تقليدية، بل عملية تدمير ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي. التدمير الواسع للبنية التحتية، تهجير العائلات، انهيار الخدمات، وانتشار المجاعة، كلها عناصر تندرج ضمن ما تصفه منظمات حقوقية بـ”الإبادة الجماعية”. ومع ذلك، يستمر الدعم الأميركي لإسرائيل سياسياً وعسكرياً، ما يعمّق شعور الفلسطينيين بأنهم يواجهون حرباً مفتوحة بلا سقف زمني ولا ضوابط إنسانية.
السؤال الذي تركه لازاريني مفتوحاً في ختام تصريحاته – “كم من الوقت سيستغرق اتخاذ إجراء للوصول إلى وقف إطلاق النار؟” – يختصر جوهر الأزمة. فبينما تتساقط الأبراج ويُشرّد الناس نحو المجهول، يتأخر المجتمع الدولي في التحرك، تاركاً غزة أمام خيار وحيد: البقاء في أرض تتحول بسرعة إلى مكان غير صالح للحياة.






