منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى مطلع أيلول/سبتمبر 2025، أخذت جرائم الاحتلال بحق الصحفيات الفلسطينيات أبعادًا غير مسبوقة، لتكشف عن سياسة منظمة تستهدف إسكات الصوت النسوي الحر في الإعلام الفلسطيني. فوفق لجنة الحريات في نقابة الصحفيين، ارتقت 31 شهيدة من الصحفيات العاملات في مؤسسات إعلامية محلية ودولية، إلى جانب سبع ناشطات إعلاميات على منصات التواصل الاجتماعي، في حصيلة غير معهودة بتاريخ الحروب والصراعات.
ضرب الرأسمال البشري النسوي
ما يميز هذه الانتهاكات أنها لم تأتِ كخسائر جانبية عابرة، بل كجزء من منهجية متعمدة لضرب الرأسمال البشري النسوي في الحقل الإعلامي الفلسطيني. أكثر من 85% من الصحفيات الشهيدات قُتلن مع أفراد عائلاتهن، في استهداف مزدوج يحوّل الصحفية من شاهدة على الجريمة إلى ضحية داخلها. كما أن نسبة كبيرة منهن كنّ في مقتبل العمر، بين العقدين الثاني والثالث، ما يعكس مسعى الاحتلال لإبادة جيل جديد من الإعلاميات الشابات اللواتي كنّ يشكلن مستقبل الإعلام الفلسطيني.
الاستهداف لم يقتصر على الإعلام المحلي، بل طال صحفيات عاملات مع مؤسسات دولية كـ”الأناضول” و”الأسوشيتد برس” و”الجزيرة مباشر”، وهو ما يكشف أن الهدف لم يكن فقط إسكات المشهد المحلي بل كذلك التعتيم على جرائم الحرب أمام المجتمع الدولي. فقد قُتلت المراسلة مريم أبو دقة خلال عملها مع وكالات دولية كبرى، كما استُهدفت صحفيات أخريات عملن مع مؤسسات حقوقية وإنسانية. هذا التوجه يعكس خشية الاحتلال من دور الإعلام الرقمي والبديل، حيث برزت أسماء مثل آيات خضورة وإيمان العقيلي وفاطمة حسونة، اللواتي كن يوثّقن قصص النازحين والنساء والأطفال عبر البودكاست ومنصات التواصل الاجتماعي.
نقل الحقيقة يساوي الموت
دلالات هذه الجرائم لا تقتصر على الجانب المهني فحسب، بل تحمل بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا عميقًا. إذ إن معظم الصحفيات قُتلن مع أطفالهن وأزواجهن وذويهن، في استهداف متعمد للبنية الأسرية والمجتمعية الفلسطينية. بهذا المعنى، يصبح قتل الصحفيات محاولة مضاعفة للإبادة: إبادة صوت الحقيقة من جهة، وإبادة العائلات الفلسطينية من جهة أخرى.
هذه السياسات انعكست على البيئة الإعلامية الفلسطينية بخلق مناخ من الترهيب، خصوصًا أن الاحتلال تعمد اغتيال إعلاميات بارزات كنّ يشكلن قدوة لجيل كامل من الصحفيات الشابات. الرسالة واضحة: الاستمرار في نقل الحقيقة يساوي الموت. إلا أن هذا لم يوقف النشاط الإعلامي النسوي، بل زاد من إصرار النقابة ومؤسسات المجتمع المدني على توثيق الجرائم، وإبراز استهداف النساء الصحفيات كجريمة مضاعفة تمس حرية الصحافة وحقوق المرأة معًا.
ردّ نقابة الصحفيين جاء على مستويات متعددة: محلية عبر توفير تدريبات ميدانية وأدوات حماية، قانونية من خلال رفع شكاوى إلى الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية، وإعلامية عبر إطلاق حملات دولية لتسليط الضوء على جرائم الاحتلال بحق الصحفيات. كما يجري العمل على تأسيس جائزة دولية باسم شهيدات الصحافة الفلسطينيات لتخليد ذكراهن وتعزيز الوعي العالمي.
طمس التوثيق الرقمي
رئيس لجنة الحريات في النقابة، محمد اللحام، اعتبر أن استهداف الصحفيات الفلسطينيات يمثل تصعيدًا غير مسبوق في تاريخ الصراعات، إذ لم يشهد العالم منذ نشأة الحروب مثل هذا التركيز المنهجي على قتل الإعلاميات النساء. وأكد أن هذه الجرائم تشكل خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تضمن حماية الصحفيين أثناء النزاعات.
إن ما يحدث لا يمكن فهمه إلا كجزء من حرب شاملة على الذاكرة والرواية والوعي الفلسطيني، حيث يسعى الاحتلال لطمس التوثيق الرقمي والميداني للجرائم عبر تصفية الصحفيات، اللواتي يمثلن الشاهد الأكثر قربًا لآلام الناس ومعاناتهم. ومع ذلك، تبقى شهاداتهن ودماؤهن علامة دامغة على أن الصوت الفلسطيني الحر لا يمكن إسكاته مهما بلغت محاولات التعتيم.






