تواجه سوريا حالة من عدم الاستقرار السياسي، منذ سقوط نظام بشار الأسد، حيث سيطرت التنظيمات المسلحة على المشهد، رغم وصول أحمد الشرع، إلى سدة الحكم، ورفع معظم العقوبات عن سوريا، إلا أن هناك العديد من الصراعات المسلحة في مدن عدة، تهدد حالة الاستقرار في دمشق.
حالة الانقسام التي تعيشها الأوساط السياسية في سوريا، والعمليات التي يتم تنفيذها من جانب التنظيمات المسلحة بين الحين والآخر، يدفع ثمنها المدنيين، من بينهم أطفال وقعوا ضحايا للصراعات المسلحة، حيث أظهرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقريرها السنوي، الأطفال في سوريا على مدى 14 عاماً، تعرضوا لانتهاكات واسعة، شملت “قتل وتعذيب وتجنيد قسري وحرمان من التعليم والرعاية الصحية”، إلى جانب تدمير المدارس والمنشآت الطبية، واستمرار خطر الألغام والذخائر غير المنفجرة.
انتهاك حقوق الأطفال
وبحسب التقرير، فإن الأطفال في سوريا لا يزالون يواجهون تحديات صعبة، أبرزها تدهور التعليم، وغياب الخدمات الأساسية، واحتياج قرابة 7.5 مليون طفل للمساعدات الإنسانية. وعلى الرغم من تراجع مستويات العنف، لا تزال آثار الصدمات النفسية، وضعف أنظمة الحماية الاجتماعية، تشكل عوائق كبيرة تحول دون حصول الأطفال على حقوقهم الأساسية، حيث يؤكد التقرير استمرار تأثير النزاع المسلح على حاضر الأطفال ومستقبلهم.
وشهدت سوريا أبشع الجرائم بحق الأطفال، إذ تعرض 226 طفلاً للقتل تحت التعذيب منذ مارس 2011 حتى نوفمبر 2025، بينهم 216 على يد نظام بشار الأسد السابق، ما يجعل النظام مسؤولاً عن 96 % من إجمالي حالات قتل الأطفال تحت التعذيب، خلال سنوات النزاع. وكان عام 2012 الأكثر سوءاً، يليه 2013 ثم 2015 و2014، حيث سُجلت الحصيلة الأعلى للضحايا الأطفال تحت التعذيب في محافظة حماة، تلتها حمص ثم ريف دمشق وإدلب.
جرائم نظام الأسد
وأظهرت البيانات أن 5,359 طفلاً ما يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري، بينهم 3,736 طفلاً اعتقلهم أو أخفاهم نظام الأسد السابق، ما يجعله مسؤولاً عن 70% من مجموع الحالات. وقد سُجلت أعلى حصيلة لحالات الاعتقال/الإخفاء في عام 2014، فيما جاءت محافظة دير الزور في المرتبة الأولى من حيث عدد الحالات، تلتها دمشق ثم الرقة وريف دمشق.
بعد سقوط النظام، استمرت أنماط قتل الأطفال نتيجة الاشتباكات بين المجموعات المسلحة، والقصف المتبادل، والهجمات الإسرائيلية، إضافة إلى الإصابات الناتجة عن الرصاص العشوائي. إذ قتل 51 طفلاً في أحداث الساحل، و20 طفلاً في السويداء، و18 طفلاً جراء إطلاق الرصاص في الاحتفالات حتى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. كما تعد الألغام والذخائر غير المنفجرة من أخطر تهديدات المرحلة الانتقالية، إذ تسببت منذ ديسمبر 2024 بمقتل ما لا يقل عن 107 أطفال وإصابة آخرين بجروح خطيرة.
إجراء تحقيقات شاملة
ووفقا للتقرير، تعرض عدد من الأطفال لحالة احتجاز تعسفي، ولا يزال مستمراً، ولا سيما في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، حيث يُمنع الأطفال المحتجزون من التواصل مع ذويهم ويتعرضون لمعاملة قاسية، كما يبقى نحو 25,500 طفل محتجزين في مخيمي الهول وروج في ظروف قاسية تشكل حرماناً غير قانوني من الحرية، في حين شهدت محافظات اللاذقية وطرطوس والسويداء حوادث خطف متفرقة لأغراض الابتزاز.
وبحسب التقرير، انتهج نظام بشار الأسد السابق، منذ عام 2011 سياسة ممنهجة لاعتقال الأطفال وإخفائهم قسرياً، كما عمدت الأجهزة الأمنية إلى نقل عدد من الأطفال إلى مؤسسات رعاية مثل “قرى أطفال SOS” دون أية وثائق رسمية، ما أدى إلى طمس هوياتهم والتلاعب بمصائرهم القانونية، وطالبت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بإجراء تحقيقات شاملة في هذه الممارسات وإعادة الهوية والحقوق للأطفال الذين ما يزال مصير كثير منهم مجهولاً، باعتبار هذه القضية جزءاً أساسياً من مسار العدالة الانتقالية بعد سقوط النظام.






