الفيديو الذي نشرته كتائب عز الدين القسام تحت عنوان “يأكلون مما نأكل”، والذي يُظهر أحد المحتجزين الإسرائيليين في أنفاق غزة وهو يعاني من التعب والهزال الشديد، أحدث صدمة واسعة في الأوساط الإسرائيلية، وأعاد إلى الواجهة ملف الأسرى والمحتجزين لدى حركة حماس، الذي ظل حاضرًا في المشهد السياسي الإسرائيلي لكنه غالبًا ما تراجع لصالح اعتبارات أمنية أو عسكرية.
تمسك نتنياهو بخطاب الحسم العسكري
ردّ أوهاد بن عامي، وهو أحد المحتجزين السابقين، لم يكن عاطفيًا فقط، بل حمل في طياته توبيخًا صريحًا لحكومة بنيامين نتنياهو، متهمًا إياها بالتقاعس والتسويف في معالجة هذا الملف الإنساني البالغ الحساسية. تأثره الشديد بالفيديو، ورجاؤه بإبرام صفقة تبادل شاملة وفورية، يعكسان المزاج المتغير لدى قطاع من المجتمع الإسرائيلي الذي بدأ يتساءل: ما الذي حققته هذه الحرب بعد شهور من الدمار والخسائر؟ وأين وعود الحكومة بإعادة المحتجزين؟
رغم هذه الضغوط، لا تبدو حكومة الاحتلال في وارد الاستجابة السريعة لمثل هذه النداءات، خصوصًا في ظل تمسك نتنياهو بخطاب “الحسم العسكري أولاً”، ومواجهة حكومته تحديات داخلية من تحالفات يمينية متشددة ترفض تقديم تنازلات لحماس. كما أن القيادة الإسرائيلية تخشى من أن تؤدي صفقة جديدة إلى تعزيز مكانة حماس إقليميًا، وإعطاء انطباع بأن الحركة قادرة على فرض شروطها رغم القصف والحصار.
المحتجزين في خطر
إلا أن الوضع السياسي لا يمكن عزله عن المتغيرات الاجتماعية. تزايدت في الآونة الأخيرة التحركات الشعبية من قبل عائلات المحتجزين، وانتشرت دعوات عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل لضرورة إنهاء هذا الملف بأسرع وقت. وهذا الحراك المدني بدأ يفرض نوعًا من الحرج على الحكومة، التي تواجه أيضًا انتقادات دولية بشأن استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية في غزة.
الفيديو الأخير جاء بمثابة وثيقة مؤلمة تكشف عن الوجه الآخر للحرب، حيث لا “نصر عسكري” يبدو في الأفق، فيما يقبع الرهائن في ظروف لا إنسانية. ووسط هذا المشهد، تزداد التساؤلات حول جدوى استمرار العمليات العسكرية، إذا كانت تُبقي المحتجزين في خطر دائم وتُضعف فرص إعادتهم أحياء.
نداءات الرهائن
بالتالي، فإن مستقبل هذا الملف يرتبط بتغيرين محتملين: أولهما، ضغط داخلي حقيقي ومستدام على حكومة نتنياهو قد يفرض عليها الدخول في صفقة شاملة، وثانيهما، تحوّل في الموقف الدولي قد يُجبر إسرائيل على مراجعة أولوياتها تحت ضغط سياسي وإنساني متزايد. أما في غياب هذين العاملين، فإن الرد الرسمي سيبقى يدور في فلك المراوغة والتشكيك، مع التلويح بأن أي صفقة يجب أن تتم وفق شروط “الأمن القومي”، وهي العبارة التي كثيرًا ما تُستخدم لتبرير التباطؤ وتهميش البعد الإنساني في قرارات الحكومة.
بكلمة أخرى، الحكومة الإسرائيلية ليست في وارد الاستجابة الفورية لنداءات الرهائن، ما لم تتعرض لهزة سياسية أو اجتماعية تدفعها إلى إعادة تقييم كلفة الحرب مقارنةً بكلفة الاستجابة الإنسانية.






