تشهد ألمانيا واحدة من أكثر القضايا حساسية خلال السنوات الأخيرة، مع بدء العدّ التنازلي لمحاكمة ستة أشخاص منسوب إليهم الانتماء إلى جماعة «أنتيفا – أوست» اليسارية المتشددة، والمتهمة بتنفيذ سلسلة هجمات ضد شخصيات ومواقع مرتبطة باليمين المتطرف.
تصاعد التوتر السياسي وعودة الملف إلى الواجهة
تسلط هذه القضية الضوء على تزايد المواجهة الأيديولوجية بين اليمين واليسار، والتي تحولت خلال الأعوام الماضية من خلاف سياسي إلى موجة عنف ميداني تهدد ما تصفه برلين بـ«التوازن الدقيق للديمقراطية الألمانية».
ومنذ إعلان السلطات الألمانية استعدادها لمحاكمة المتهمين في يناير المقبل، عاد الحديث بقوة داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول جذور العنف السياسي في ألمانيا، وكيف تحوّلت شبكات يسارية غير مركزية إلى مجموعات منظمة قادرة على التخطيط والتنفيذ وتنفيذ هجمات خارج الحدود الألمانية، مثل العملية التي استهدفت نازيين جدداً في العاصمة المجرية بودابست.
وقد فتح هذا التشابك العابر للحدود الباب أمام تساؤلات أوسع حول مدى تغلغل تلك الشبكات في أوروبا الشرقية والغربية.
وتشير ملفات القضية إلى أن المتهمين الستة، الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و24 عاماً، لعبوا دوراً محورياً في عمليات اعتداء منظمة شملت استخدام العنف المبرمج ضد أهداف محددة سلفاً، من بينها متجر أزياء يُعرف لدى أجهزة الأمن بأنه نقطة تجمع لعناصر يمينية متطرفة في ولاية تورينغن.
وقد أثارت تلك الحوادث موجة قلق داخل المجتمع المحلي، خصوصاً بعد إصابة إحدى العاملات بالمتجر إصابة بالغة تطلبت تدخلاً طبياً عاجلاً.
وعلى الرغم من أن الحكومة الألمانية حاولت خلال السنوات الماضية تقديم خطاب متوازن يجرّم العنف السياسي بجميع أشكاله، فإن هذا الملف أعاد فتح النقاش القديم حول ما إذا كانت أجهزة الأمن تولي اهتماماً أكبر بجرائم اليمين المتطرف مقارنة بجرائم اليسار المتشدد، وهو ما دفع عدداً من السياسيين لاتهام المؤسسات الأمنية بالازدواجية، بينما يؤكد آخرون أن تصاعد الهجمات اليسارية يتطلب مراجعة جذرية للنهج الأمني في البلاد.
خلفيات المحاكمة وتبدّل استراتيجية الدولة
جاءت موافقة محكمة دوسلدورف العليا الإقليمية على لائحة الاتهام الاتحادية لتمنح القضية زخماً قانونياً إضافياً، خاصة أن التهم الموجهة للمتهمين – مثل الشروع في القتل وتشكيل تنظيم إجرامي – تُعد من أخطر التهم المرتبطة بالعنف السياسي في ألمانيا خلال السنوات الأخيرة.
ووفق مصادر قضائية، فإن المحكمة أجرت تعديلات طفيفة على الاتهامات دون المساس بجوهرها، ما يعكس جدية السلطات في التعامل مع الملف دون أي تهاون.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الحكومة الألمانية ضغوطاً متزايدة من الرأي العام الذي بات يرى أن العنف السياسي لم يعد مقتصراً على طرف بعينه، وأن ألمانيا أمام مشهد أكثر تعقيداً من مجرد صراع تقليدي بين اليمين واليسار، فظهور جماعات مثل «أنتيفا – أوست» كشف أن التطرف اليساري قادر على تبني تكتيكات مشابهة لتلك التي يعتمد عليها اليمين المتطرف، سواء على مستوى التنظيم أو الاستهداف أو استخدام العنف كأسلوب ضغط.
ويرى مراقبون أن توقيت المحاكمة يحمل دلالات سياسية، خاصة أنها تأتي في ظل فترة تشهد فيها ألمانيا نقاشاً وطنياً واسعاً حول مستقبل الأمن الداخلي، بعد سلسلة من العمليات التي نفذتها جماعات يمينية متشددة، أبرزها مخططات لاستهداف مسؤولين حكوميين. وهذا التزامن بين تهديدات اليمين المتطرف وتحركات اليسار العنيف أعاد رسم خريطة الأولويات الأمنية في البلاد.
واعتبرت وزارة العدل الألمانية أن التعامل القانوني الصارم مع القضية ليس مجرد استجابة لحدث واحد، بل خطوة ضمن استراتيجية أشمل تهدف إلى منع تحول الجماعات اليسارية المتطرفة إلى شبكات منظمة ذات حضور عابر للحدود، خاصة بعد ورود تقارير تشير إلى وجود روابط محتملة بين «أنتيفا – أوست» ونشطاء في دول وسط أوروبا.
أبعاد الهجمات.. رسائل عنف تتجاوز الحدود
تشير التحقيقات إلى أن الجماعة اعتمدت على أسلوب «الضربات السريعة» عبر مجموعات صغيرة، وهو أسلوب مشابه لما تعتمده الجماعات اليمينية المتطرفة، لكن مع تركيز أكبر على استهداف رموز اليمين الجديد والنقاط التجارية التي تعُدها حواضن فكرية لليمين.
وقد اعتبر خبراء الأمن أن هذا النمط من الهجمات يستهدف إرباك أجهزة الشرطة، عبر اختيار توقيتات ليلية ومناطق يصعب فيها التدخل السريع.
وتثير الهجمات التي نفذتها الجماعة في بودابست الكثير من التساؤلات، خصوصاً أن تنفيذ عملية خارج ألمانيا يعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق، ويعطي انطباعاً بأن التنظيم يمتلك معلومات استخباراتية عن أهدافه، إلى جانب عناصر مدربة قادرة على التحرك دون لفت الأنظار، ويعتقد مختصون أن اختيار بودابست تحديداً قد يكون مرتبطاً بتزايد نشاط اليمين المتطرف في المجر خلال السنوات الماضية.
أما في الداخل الألماني، فقد مثّلت ضربة إرفورت نقطة تحول لافتة، ليس فقط لأنها استهدفت متجراً معروفاً بصلته باليمين المتطرف، بل لأنها أسفرت عن خسائر مادية كبيرة تجاوزت 65 ألف يورو، إضافة إلى إصابة بائعة شابة بجروح خطيرة، ما حوّل الهجوم إلى قضية رأي عام، وقد أظهرت كاميرات المراقبة – وفق التسريبات – مستوى احترافياً في تنفيذ العملية خلال دقائق معدودة.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الجماعة قد تلقت دعماً لوجستياً من شبكات أوسع، تؤكد تقارير الشرطة أن المتهمين الستة نفذوا معظم التحركات دون دعم خارجي واضح، وهو ما يجعل التحذيرات المتصاعدة من «تكرار السيناريو» أمراً واقعياً، خصوصاً إذا لم تتدخل الدولة ببرنامج شامل للحد من العنف السياسي ومنع تطور تلك الشبكات إلى تنظيمات متماسكة.
ردود الفعل الرسمية والانقسام المجتمعي
أدت القضية إلى انقسام كبير داخل الساحة السياسية الألمانية، حيث يرى جزء من الرأي العام أن محاكمة أعضاء الجماعة خطوة ضرورية للحفاظ على سيادة القانون ومنع انزلاق البلاد إلى فوضى سياسية، بينما يتخوف آخرون من أن تستخدم بعض الأحزاب اليمينية القضية لتصوير اليسار بأكمله على أنه «تهديد أمني»، وذلك بهدف تعزيز مكاسب انتخابية.
وبالنسبة للحكومة، فقد حرصت على إصدار بيان يؤكد أن الدولة ترفض العنف «أيّاً كان مصدره»، وأنها ستواصل فرض القانون على جميع التنظيمات المتطرفة بغض النظر عن الخلفية الأيديولوجية، وذلك في محاولة لتخفيف حدة الاستقطاب السياسي الذي ازداد بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة.
وعلى المستوى الأمني، تتعامل الشرطة الألمانية مع القضية باعتبارها اختباراً لمدى قدرتها على مواجهة تطرف متعدد الأوجه، فبعد سنوات ركزت فيها المؤسسات الأمنية على تهديدات اليمين المتطرف، بات من الضروري تطوير وحدات متخصصة قادرة على التعامل مع هجمات اليسار المتشدد، التي تتميز غالباً بالسرية واللامركزية.
ويرى محللون أن المشهد الحالي يعكس أزمة ثقة داخل المجتمع الألماني، حيث يتخوف المواطنون من أن يؤدي تراكم الهجمات المتبادلة بين اليمين واليسار إلى حالة «استقطاب ميداني» قد تنقل المواجهة من المجال السياسي إلى الشوارع، وهو سيناريو تحاول الدولة تجنبه بكل السبل.
العنف السياسي يتجاوز مرحلة التحذيرات… ألمانيا أمام تهديد مزدوج
يقول د. مارتن كراوزه، خبير الأمن الداخلي، إن القضية الراهنة تكشف أن ألمانيا لم تعد تواجه تهديداً أحادياً من اليمين المتطرف كما كان يُعتقد سابقاً، بل باتت تواجه «طيفاً كاملاً من التطرف» يمتد من اليسار العنيف إلى اليمين المتشدد.
ويرى الخبير أن محاكمة أعضاء «أنتيفا – أوست» تأتي في لحظة حساسة، إذ تتقاطع مع تحولات سياسية واجتماعية قد تسهم في زيادة التوتر بين المعسكرين.
ويشير كراوزه إلى أن أخطر ما في هذه القضية ليس الهجمات نفسها، وإنما التطور الملحوظ في مستوى التنظيم والقدرة على تنفيذ عمليات خارج الحدود، ويعتقد أن هذا البعد العابر للحدود يمثل تحدياً مباشراً للأجهزة الأمنية، التي تجد نفسها مطالبة بتوسيع تعاونها مع أجهزة المخابرات الأوروبية، خصوصاً مع دول مثل المجر والنمسا.
ويلفت الخبير إلى أن التحقيقات أظهرت أن الجماعة تستهدف «المعالم الرمزية» وليس فقط الأشخاص، بما يرسل رسائل سياسية قوية تشجع شبكات أخرى على تقليد هذا النمط. ويؤكد أن هذا التوجه يفتح الباب أمام انتشار موجة جديدة من العنف بين مجموعات صغيرة يصعب تعقبها، وهو ما يجعل السيطرة عليها أكثر تعقيداً.
ويختتم كراوزه بالقول إن ألمانيا أمام مرحلة مفصلية، فإما أن تنجح الدولة في ضبط منظومة الأمن الداخلي بما يمنع أي تصعيد ميداني، وإما أن تتوسع ظاهرة الهجمات المتبادلة وتتحول إلى نمط دائم يهدد استقرار البلاد ويدفع المجتمع نحو مزيد من الاستقطاب.
محاكمة دوسلدورف اختبار سياسي قبل أن يكون اختباراً قضائياً
ترى د. هيلينا فورت، خبيرة شؤون التطرف الأوروبي، أن المحاكمة لا يمكن فصلها عن الضغوط السياسية الداخلية، خصوصاً في ظل ارتفاع شعبية بعض الأحزاب اليمينية خلال السنوات الأخيرة، وتؤكد أن اليمين سيحاول استغلال القضية لتأكيد روايته بأن «اليسار المتطرف» يشكل تهديداً موازياً، وربما أخطر، من اليمين المتشدد، وهي رواية تجد صدى لدى جزء من الناخبين.
وتشير الخبيرة إلى أن الولايات المتحدة لعبت دوراً في إعادة تسليط الضوء على الجماعة، بعد أن أدرجتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب على قائمة المنظمات الإرهابية، وترى أن هذا الإدراج وضع ألمانيا في موقف سياسي معقد، لأنها لم تصنف الجماعة إرهابية داخلياً، لكنها تجد نفسها مضطرة للتعامل مع التداعيات السياسية والدبلوماسية لهذا التصنيف.
وتحذر فورت من أن تجاهل المخاطر المرتبطة بالعنف اليساري قد يدفع مجموعات أخرى إلى مزيد من التصعيد، خصوصاً إذا رأت أن الدولة تركّز على اليمين المتطرف فقط. وتعتبر أن التوازن في تطبيق القانون هو العامل الحاسم في تهدئة الساحة السياسية خلال المرحلة المقبلة.
وتختتم الخبيرة بالقول إن ألمانيا تحتاج إلى استراتيجية شاملة لا تكتفي بالملاحقة الأمنية، بل تشمل معالجة جذور التطرف عبر برامج مجتمعية وتعليمية وإعلامية، مؤكدة أن المواجهة الحقيقية مع العنف السياسي لن تُحسم في المحاكم فقط، بل في وعي الجمهور وقدرته على رفض خطاب الكراهية بكل أشكاله.






