تقترب الولايات المتحدة وإيران من توقيع اتفاق إطاري طال انتظاره، يهدف إلى إنهاء الحرب التي دخلت شهرها الرابع، وسط مؤشرات متزايدة على نجاح جهود الوساطة الإقليمية والدولية في تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
ورغم حالة التفاؤل التي أبدتها واشنطن وإسلام آباد، فإن الغموض لا يزال يحيط بموعد التوقيع النهائي، في ظل استمرار المراجعات السياسية والفنية داخل طهران.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع استمرار التوتر في مضيق هرمز وتداعيات الحرب على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ترمب وشهباز شريف يعلنان قرب التوقيع
من جانبه، الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن أن الاتفاق من المقرر توقيعه قريباً، مؤكداً أن مضيق هرمز سيُفتح فور إتمام التفاهم. كما تحدث رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن التوصل إلى “نص نهائي” لمذكرة التفاهم، مشيراً إلى أن الساعات المقبلة قد تشهد التوقيع الإلكتروني الذي يعقبه مسار تفاوضي فني.
في المقابل، بدا الموقف الإيراني أكثر حذراً، حيث أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن الموعد النهائي لم يُحسم بعد، وأن التوقيع قد يتأجل لأيام إضافية رغم التقدم الملحوظ في المفاوضات.
الدوحة تدخل المشهد لإنجاز اللمسات الأخيرة
وفي تطور لافت، دخلت قطر على خط الوساطة خلال الساعات الأخيرة، إذ توجه وفد قطري إلى طهران لإجراء مشاورات مكثفة مع المسؤولين الإيرانيين بهدف إزالة العقبات المتبقية أمام الاتفاق.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الدوحة تعمل على تقريب المواقف بشأن عدد من الملفات العالقة، خاصة ما يتعلق بآليات تنفيذ الاتفاق ومراحل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إضافة إلى الترتيبات الخاصة بمضيق هرمز.
ورغم الأجواء الإيجابية، فإن المراقبين يؤكدون أن الاتفاق المرتقب لا يمثل تسوية نهائية للخلافات بين البلدين، بل يشكل إطاراً عاماً لوقف التصعيد وفتح الباب أمام مفاوضات أكثر تعقيداً خلال الأشهر المقبلة.
وتتضمن الصيغة الحالية وقف العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز، ووقف فرض عقوبات أميركية جديدة، مقابل التزامات إيرانية مؤقتة تتعلق بالبرنامج النووي.
كما تمنح المذكرة فترة تفاوض تمتد إلى 60 يوماً لمعالجة الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها تخصيب اليورانيوم والعقوبات الاقتصادية وآليات الرقابة الدولية.
الملف النووي.. العقدة الأكبر في المفاوضات
ويظل البرنامج النووي الإيراني التحدي الأكثر تعقيداً أمام أي اتفاق دائم بين الطرفين.
وبحسب المعلومات المتداولة، تتضمن المسودة التزاماً إيرانياً بعدم إنتاج أو امتلاك سلاح نووي، والحفاظ على الوضع الحالي للبرنامج النووي إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل.
كما تنص المسودة على عدم توسيع المنشآت النووية وعدم زيادة أنشطة التخصيب خلال المرحلة الانتقالية، مقابل تعهد أميركي بعدم فرض عقوبات إضافية.
إلا أن القضايا الجوهرية، مثل مستقبل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وآليات التفتيش والرقابة، ما زالت مؤجلة إلى المفاوضات اللاحقة، وهو ما يدفع العديد من الخبراء إلى التشكيك في قدرة الاتفاق على معالجة جوهر الأزمة النووية.
هرمز في قلب التفاهمات الجديدة
يحتل مضيق هرمز موقعاً محورياً في الاتفاق المرتقب، باعتباره الشريان الأهم لتجارة النفط العالمية.
وتنص التفاهمات الأولية على إعادة فتح المضيق بشكل كامل أمام حركة الملاحة الدولية فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ، مقابل تخفيف الحصار البحري المفروض على إيران.
وتستعد الولايات المتحدة، بالتعاون مع عدد من الدول الحليفة، للمشاركة في عمليات إزالة الألغام وتأمين الممرات البحرية لضمان عودة الحركة التجارية إلى طبيعتها.
ويمثل هذا البند أولوية قصوى للأسواق العالمية التي تأثرت بشدة جراء اضطراب الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة خلال الأشهر الماضية.
أموال مجمدة وخلافات حول العقوبات
واحدة من أكثر النقاط حساسية تتعلق بالأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، فبينما تتحدث مصادر إيرانية عن الإفراج عن نحو 25 مليار دولار من الأصول المجمدة وتسهيل صادرات النفط، تؤكد واشنطن أن أي خطوات مالية ستكون مشروطة بالتزام طهران الكامل ببنود الاتفاق.
ويكشف هذا التباين عن استمرار فجوة الثقة بين الطرفين، إذ تسعى إيران إلى الحصول على مكاسب اقتصادية سريعة، بينما تصر الإدارة الأميركية على ربط أي تخفيف للعقوبات بسلوك طهران خلال المرحلة المقبلة.
وعلى الجانب الآخر، تبدو إسرائيل الطرف الأقل حماساً للتفاهم الجاري بين واشنطن وطهران، فالحكومة الإسرائيلية ترى أن الاتفاق بصيغته الحالية لا يتعامل بصورة حاسمة مع البرنامج النووي الإيراني أو برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، كما أنه يؤجل معالجة نفوذ طهران الإقليمي إلى مراحل لاحقة.
وتخشى تل أبيب من أن يتحول الاتفاق إلى مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الأمنية الأكثر حساسية.
انقسام داخل إيران بشأن التفاهم المرتقب
وفي الداخل الإيراني، أثار الاتفاق المرتقب جدلاً واسعاً بين التيارات السياسية المختلفة، ففي حين ترى الحكومة أن التفاهم يمثل فرصة لإنهاء الحرب وتخفيف الضغوط الاقتصادية، تعتبره بعض التيارات المحافظة تنازلاً غير مبرر للولايات المتحدة.
وزادت حساسية الملف مع تزامن الموعد المتوقع للتوقيع مع عيد ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث أبدى بعض المسؤولين الإيرانيين تحفظهم على منح واشنطن مكسباً رمزياً يمكن استثماره سياسياً وإعلامياً.
هل نشهد نهاية الحرب أم مجرد هدنة مؤقتة؟
رغم أن الاتفاق المرتقب قد ينجح في وقف العمليات العسكرية وفتح مضيق هرمز وإطلاق مسار تفاوضي جديد، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الملفات الأكثر تعقيداً ما زالت بعيدة عن الحل النهائي، فالخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي، والأموال المجمدة، والعقوبات، والدور الإقليمي لإيران، ومستقبل الساحات المتوترة مثل لبنان، لا تزال قائمة وتنتظر جولات تفاوض شاقة.
لذلك، يرى مراقبون أن ما يجري التفاوض عليه حالياً ليس اتفاق سلام شامل، بل هدنة سياسية وعسكرية مؤقتة قد تمنع انفجاراً أكبر في المنطقة، لكنها لا تضمن إنهاء الصراع بصورة نهائية ما لم تنجح المفاوضات المقبلة في معالجة جذور الأزمة بين أميركا وإيران.




