أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، بدء هجوم بري واسع على مدينة غزة، واصفاً العملية بأنها خطوة حاسمة تستهدف ما تعتبره تل أبيب “آخر معاقل حركة حماس” ومركز ثقلها العسكري والسياسي. ووفق التقديرات العسكرية الإسرائيلية، تستعد القوات لمواجهة نحو 2500 مقاتل من كتائب القسام في معركة يتوقع أن تمتد حتى مطلع العام المقبل، مع هدف معلن يتمثل في “هزيمة لواء المدينة” الذي يقوده عز الدين الحداد. الإعلان جاء بعد ليلة من القصف المكثف، حيث نفذ الجيش الإسرائيلي سلسلة غارات عنيفة شكلت ما وصفه الإعلام المحلي بـ”أحزمة نارية” حول المدينة. دوي الانفجارات تردد ليس فقط في غزة، بل سُمع أيضاً في الضفة الغربية وفي مناطق داخل إسرائيل.
نزوح واسع وسط تقدم الدبابات
بعد ساعات من خطاب نتنياهو، أكد الجيش الإسرائيلي رسمياً بدء المرحلة البرية من العملية، لتظهر مشاهد دخول الدبابات إلى أطراف بعض الأحياء الشرقية والشمالية من غزة. التطور دفع آلاف السكان إلى النزوح بشكل جماعي، كثير منهم سيراً على الأقدام عبر شارع الرشيد الساحلي، الذي تحول إلى المسار الوحيد المتاح للانتقال نحو وسط وجنوب القطاع. المشهد عكس حالة من الفوضى الإنسانية، إذ تكدست العائلات بما تحمله من متاع بسيط على الطريق المكتظ، بينما تواصل الغارات الجوية والمدفعية استهداف مناطق مختلفة من المدينة. الأمم المتحدة حذرت بدورها من “كارثة إنسانية متصاعدة”، مع تضاؤل فرص الإجلاء وصعوبة وصول المساعدات.
أهداف معلنة ورسائل سياسية
العملية، التي وصفتها القيادة الإسرائيلية بأنها “حاسمة وضرورية”، تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية متشابكة. فبينما تركز الأهداف الميدانية على القضاء على كتائب القسام داخل غزة، يرى محللون أن الحملة البرية تمثل أيضاً رسالة داخلية للجمهور الإسرائيلي بأن الحكومة مصممة على تحقيق “نصر واضح” بعد أشهر من الحرب. في الوقت ذاته، تسعى تل أبيب إلى إثبات قدرتها على إعادة رسم المشهد الأمني في القطاع، عبر استهداف البنية القيادية والعسكرية لحماس. غير أن المراقبين يشيرون إلى أن مثل هذه العمليات غالباً ما تواجه صعوبات في تحقيق نتائج حاسمة على الأرض، خاصة في بيئة حضرية مكتظة مثل غزة، حيث يتمتع المقاتلون بقدرات قتالية مرنة تعتمد على الأنفاق والمواجهات القريبة.
البعد الإقليمي والدولي
الهجوم البري يضع إسرائيل أمام تحديات دبلوماسية متزايدة. ففي حين أعلنت واشنطن دعمها لحق إسرائيل في “الدفاع عن نفسها”، أعربت عواصم أوروبية رئيسية مثل باريس وروما وبرلين عن قلقها من التصعيد البري وما قد يترتب عليه من خسائر بشرية كبيرة في صفوف المدنيين. أما على المستوى الإقليمي، فقد صدرت إدانات من عواصم عربية عدة، محذرة من أن استمرار العمليات العسكرية بهذا الحجم قد يؤدي إلى انفجار أوسع يتجاوز حدود غزة. الأردن ومصر شددتا على أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط، فيما طالبت قطر والأمم المتحدة بوقف فوري لإطلاق النار.
قراءة أوسع: معركة مفتوحة على المجهول
يرى مراقبون أن العملية البرية في غزة تمثل مرحلة جديدة من الحرب، لكنها لا تضمن تحقيق الحسم الذي تسعى إليه إسرائيل. فالمواجهات في بيئة حضرية غالباً ما تُطيل أمد النزاع وتزيد من الكلفة الإنسانية والسياسية، بينما تمنح حماس فرصة لإعادة تأكيد سرديتها بأنها تخوض “معركة وجودية”. على الجانب الآخر، يواجه نتنياهو ضغوطاً داخلية لتحقيق نتائج ملموسة يمكن تسويقها كـ”انتصار” يبرر استمرار العمليات. ومع اقتراب العام الجديد، قد يجد المجتمع الدولي نفسه أمام معضلة أكثر تعقيداً: كيفية التوفيق بين المطالب بوقف فوري لإطلاق النار، والضغوط السياسية والأمنية التي تدفع إسرائيل نحو استمرار الهجوم.







