دخلت الأزمة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، بعدما كثّفت طهران مناوراتها العسكرية في محيط العاصمة، ولوّحت برفع تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تقترب من الاستخدام العسكري، في وقت تواصل فيه واشنطن ضغوطها الاقتصادية والعسكرية على الجمهورية الإسلامية.
وشهدت العاصمة الإيرانية طهران تحركات عسكرية لافتة نفذتها قوات «الحرس الثوري»، وسط رسائل مباشرة تؤكد استعداد إيران لاحتمال استئناف الحرب أو مواجهة أي هجوم جديد، خصوصاً بعد تعثر الاتصالات غير المباشرة مع الإدارة الأميركية.
«الحرس الثوري» يتوعد بـ«ضربات مدمرة»
وفي إطار المناورات المفاجئة التي جرت في محيط طهران، قال قائد «الحرس الثوري» في العاصمة حسن حسن زاده إن القوات الإيرانية أصبحت في أعلى درجات الجاهزية، مؤكداً أن أي «خطأ جديد» من جانب ما وصفه بـ«العدو» سيقابل برد قاسٍ وضربات مدمرة.
وتعكس هذه التصريحات حالة الاستنفار التي تعيشها المؤسسة العسكرية الإيرانية، خاصة مع استمرار التوترات في الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
وتسعى إيران، عبر هذه المناورات، إلى توجيه رسائل ردع إقليمية ودولية، تؤكد قدرتها على حماية منشآتها ومصالحها الاستراتيجية، فضلاً عن استعدادها لخوض مواجهة طويلة إذا فُرضت عليها.
البرلمان الإيراني يلوح بتخصيب اليورانيوم إلى 90%
وفي موازاة التصعيد العسكري، صعّد البرلمان الإيراني من لهجته تجاه الولايات المتحدة، حيث أكد رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف أن واشنطن لا تمتلك خيارات كثيرة سوى القبول بالمقترح الإيراني المؤلف من 14 بنداً، أو مواجهة ما وصفه بـ«الفشل المتكرر».
وجاءت التصريحات الأكثر خطورة على لسان المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان إبراهيم رضائي، الذي قال إن رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 90% قد يصبح خياراً مطروحاً إذا تعرضت إيران لهجوم جديد.
ويُنظر إلى نسبة التخصيب البالغة 90% باعتبارها قريبة للغاية من المستوى المستخدم في تصنيع الأسلحة النووية، وهو ما يثير مخاوف غربية متزايدة من اقتراب طهران من العتبة النووية العسكرية.
ترمب: إيران ستوقف التخصيب «100%»
وفي المقابل، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب متمسكاً بسياسة الضغط القصوى تجاه إيران، حيث أكد أن طهران ستتوقف عن تخصيب اليورانيوم «بنسبة 100%»، مشيراً إلى أن واشنطن لا تنوي التسرع، لأنها تمتلك أدوات ضغط فعالة وفي مقدمتها الحصار والعقوبات.
وتشير التصريحات الأميركية إلى أن الإدارة الأميركية لا تزال تراهن على تشديد الخناق الاقتصادي والبحري لإجبار إيران على تقديم تنازلات تتعلق ببرنامجها النووي وسلوكها الإقليمي.
ويرى مراقبون أن حالة الجمود الحالية قد تدفع الطرفين إلى مزيد من التصعيد غير المباشر، خاصة في ظل غياب أي اختراق دبلوماسي حقيقي خلال الفترة الأخيرة.
مضيق هرمز يدخل دائرة التوتر العسكري
وفي تطور لافت، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إعادة توجيه 65 سفينة وتعطيل أربع سفن أخرى خلال عمليات تنفيذ الحصار البحري على إيران، في خطوة تؤكد تصاعد الضغوط على حركة الملاحة في المنطقة.
في المقابل، أعلنت بحرية «الحرس الثوري» أن مضيق هرمز أصبح «منطقة عمليات واسعة» تمتد بين 200 و300 ميل، ما يعكس توجهاً إيرانياً نحو توسيع نطاق الانتشار العسكري البحري في الخليج.
الصين تدخل على خط التهدئة قبل زيارة ترمب إلى بكين
وعلى الصعيد الدولي، دخلت الصين على خط الأزمة في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، حيث شدد وزير الخارجية الصين وانج يي خلال اتصال مع نظيره الباكستاني على أهمية الحفاظ على الهدنة وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وتأتي التحركات الصينية بالتزامن مع استعدادات لزيارة مرتقبة للرئيس الأميركي إلى بكين، ما يعكس حرص الصين على منع تفجر أزمة جديدة قد تهدد استقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل إمداد الطاقة.
ويرى محللون أن المشهد الحالي يعكس مرحلة «عض أصابع» بين واشنطن وطهران، إذ تحاول إيران إثبات قدرتها على الصمود والردع، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى استنزافها اقتصادياً وسياسياً دون الانجرار إلى حرب شاملة.
لكن خطورة المرحلة الحالية تكمن في احتمال وقوع خطأ ميداني أو اشتباك محدود قد يتحول سريعاً إلى مواجهة أوسع، خاصة مع ارتفاع وتيرة التحركات العسكرية والتصريحات المتشددة من الجانبين.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، تتراوح بين العودة إلى طاولة التفاوض، أو الانزلاق إلى تصعيد قد يهدد أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة العالمية.




