مع ارتفاع منسوب التوتر بين إيران والولايات المتحدة، تزداد أهمية فهم الطريقة التي تُصنع بها القرارات في طهران، خصوصاً في مرحلة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع الأزمات الاقتصادية والتجاذبات السياسية الداخلية. فإيران لا تُدار من مركز واحد يتولى وحده رسم كل السياسات، وإنما من شبكة مؤسسات تتوزع بينها الصلاحيات، مع احتفاظ القيادة العليا بالكلمة الفصل في الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الأمن القومي والسياسة الخارجية والقضايا المرتبطة بالمواجهة العسكرية.
وفي هذا السياق، جاءت رسالة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى الرئيس مسعود بزشكيان لتؤكد استمرار الدعم السياسي للحكومة، إذ وصف الرئيس بأنه صادق ويعمل من أجل مصلحة البلاد، داعياً في الوقت نفسه إلى الحفاظ على وحدة الصف الداخلي وتجنب الخلافات والاستقطاب في مرحلة ترى فيها طهران أن الضغوط الخارجية تستهدف إضعاف تماسكها الداخلي.
ولا تبدو هذه الرسالة مجرد تعبير عن مساندة سياسية للحكومة، بل تحمل أيضاً مؤشرات على طبيعة الأولويات التي تريد القيادة الإيرانية تثبيتها في المرحلة المقبلة. فإلى جانب التأكيد على ضرورة الحفاظ على الجبهة الداخلية، يبرز التركيز على معالجة مكامن الضعف الأمنية والسياسية بعيداً عن التصعيد العلني، بالتوازي مع إعطاء الاقتصاد والإنتاج المحلي أهمية متزايدة في مواجهة الضغوط الخارجية.
اقتصاد تحت الضغط
في قلب هذه المقاربة يبرز ما تسميه القيادة الإيرانية «اقتصاد المقاومة»، وهو مفهوم يقوم على محاولة تقليل اعتماد البلاد على الخارج وتعزيز قدرتها على الصمود أمام العقوبات. ولا يتعلق الأمر بالاقتصاد بوصفه ملفاً منفصلاً عن السياسة والأمن، إذ تنظر طهران إلى قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية والحفاظ على حركة الإنتاج والتجارة باعتبارها جزءاً من قدرتها على مواجهة الضغوط الأميركية.
وقد تركت العقوبات، إلى جانب القيود المفروضة على قطاع النفط والتجارة والتحويلات المالية، آثاراً مباشرة على الاقتصاد الإيراني وعلى الحياة اليومية للمواطنين. وفي ظل هذه الظروف، تجد حكومة بزشكيان نفسها أمام مهمة مزدوجة: إدارة المواجهة السياسية والدبلوماسية مع الخارج، وفي الوقت نفسه احتواء تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية في الداخل.
بزشكيان ومساحة الحركة
يحاول الرئيس مسعود بزشكيان من موقعه التنفيذي البحث عن مساحة للتحرك الدبلوماسي، من دون تجاوز السقف الذي ترسمه القيادة العليا في القضايا الاستراتيجية. وتقول الحكومة الإيرانية في خطابها الرسمي إنها لا تسعى إلى حرب شاملة، لكنها تؤكد في المقابل رفضها تقديم تنازلات تعتبرها مساساً بسيادة البلاد أو بحقوقها ومصالحها الأساسية.
وتبدو هذه المعادلة أكثر تعقيداً في ظل الأزمة الاقتصادية. فبزشكيان أقر بأن العقوبات تركت آثاراً ثقيلة على الاقتصاد الإيراني وأضعفت التجارة الخارجية، ما يجعل الملفات المعيشية في مقدمة التحديات التي تواجه حكومته، من ارتفاع الأسعار والتضخم إلى توفير فرص العمل وتحريك الإنتاج وجذب الاستثمارات التي لا تزال ممكنة رغم القيود الدولية.
لكن قدرة الحكومة على المناورة تبقى محدودة عندما يتعلق الأمر بالقرارات الكبرى. فالرئيس يمتلك أدوات السلطة التنفيذية ويدير ملفات الاقتصاد والخدمات والسياسات الحكومية اليومية، إلا أن القضايا المرتبطة بالأمن القومي والخيارات الاستراتيجية والعلاقات مع القوى الكبرى تقع ضمن نطاق أوسع تتداخل فيه مؤسسات الدولة والقيادة العليا والأجهزة السيادية.
قيادة عليا وحكومة ومؤسسة عسكرية
وهنا تكمن طبيعة توزيع القوة في النظام الإيراني. فالحكومة مسؤولة عن إدارة الدولة وشؤونها التنفيذية، بينما تحتفظ القيادة العليا بسلطة واسعة على التوجهات الاستراتيجية، وتلعب المؤسسات العسكرية والأمنية دوراً محورياً في الملفات المرتبطة بالدفاع والأمن والسياسة الإقليمية.
ولا يعني هذا التوزيع بالضرورة وجود صراع دائم بين هذه المراكز، بل يعكس نظاماً تتكامل فيه الأدوار أحياناً وتتباين تقديراتها أحياناً أخرى. وفي أوقات الأزمات، يصبح التنسيق بينها أكثر أهمية، خصوصاً عندما تتداخل القرارات العسكرية مع الحسابات الدبلوماسية والاقتصادية.
ومن ثم، فإن فهم الموقف الإيراني في ظل طبول الحرب لا يتوقف عند تصريحات الرئيس أو مواقف القيادة العليا منفردة، بل يتطلب النظر إلى الطريقة التي تعمل بها هذه المؤسسات مجتمعة. فالحكومة تحتاج إلى هامش للتحرك اقتصادياً ودبلوماسياً، بينما تظل الملفات التي تمس أمن الدولة وخياراتها الاستراتيجية مرتبطة بمؤسسات تمتلك نفوذاً أوسع من السلطة التنفيذية وحدها.
وفي نهاية المطاف، تبدو طهران أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على قوة الردع ومنع خصومها من فرض شروطهم، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وبين هذين الخيارين تتحرك مؤسسات الدولة الإيرانية، لكل منها أدواتها ومساحتها، لكن ضمن منظومة تبقى فيها القيادة العليا صاحبة التأثير الأكبر في تحديد الاتجاه الاستراتيجي العام.






