بعد أسبوعين من الضربات الجوية الأمريكية المكثفة ضد أهداف داخل إيران، دخلت العمليات العسكرية مرحلة من التهدئة غير المتوقعة، إذ مرت ثلاثة أيام متتالية دون تسجيل غارات أمريكية جديدة، في تطور أثار تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت واشنطن قد قررت بالفعل منح الدبلوماسية فرصة، أم أن الحسابات العسكرية فرضت إيقاعًا مختلفًا على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ورغم التصريحات الرسمية التي تؤكد استمرار الانفتاح على المسار الدبلوماسي، فإن تقارير إعلامية أمريكية تشير إلى أن السبب الأكثر إلحاحًا وراء هذا التراجع المؤقت قد لا يكون سياسيًا، بل يتعلق بقدرة الجيش الأمريكي على مواصلة العمليات بنفس الوتيرة، في ظل تراجع مخزونات الذخائر الدفاعية والهجومية المنتشرة في الشرق الأوسط.
تحذير داخل البيت الأبيض… المخزونات لم تعد كما كانت
بحسب ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، شهد البيت الأبيض في 24 يوليو اجتماعًا أمنيًا رفيع المستوى عرض خلاله رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، تقييمًا مباشرًا للرئيس دونالد ترامب بشأن مستقبل العمليات العسكرية.
ووفقًا للتقرير، أكد القادة العسكريون أن القوات الأمريكية لا تزال قادرة على مواصلة الضربات، إلا أن استمرارها بالمعدل الحالي سيؤدي إلى استنزاف خطير لمخزونات الذخيرة الموجودة في قواعد الجيش الأمريكي بالشرق الأوسط، وهو ما قد ينعكس على جاهزية القوات لمواجهة أي تطورات إقليمية مفاجئة.
وكانت صواريخ باتريوت الاعتراضية في صدارة المخاوف، بعدما لعبت دورًا محوريًا في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية خلال الأسابيع الماضية، إلى جانب أنظمة دفاع جوي أخرى بدأت هي أيضًا تشهد انخفاضًا ملحوظًا في مخزونها التشغيلي.
صواريخ بملايين الدولارات… وحرب تلتهم المخازن
تكشف الأرقام حجم العبء الذي تفرضه المواجهة العسكرية على الترسانة الأمريكية. فوفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تتجاوز تكلفة إنتاج صاروخ اعتراض واحد من منظومة باتريوت أربعة ملايين دولار.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد ذكرت في وقت سابق أن أكثر من 1200 صاروخ باتريوت استُخدمت منذ بداية الحرب ضد إيران حتى نهاية أبريل، وهو رقم يرجح أنه ارتفع بصورة ملحوظة مع استمرار الهجمات المتبادلة خلال الأشهر التالية.
ولا تمثل المشكلة في الكلفة المالية وحدها، بل في الوقت اللازم لإعادة تصنيع هذه الصواريخ وتعويض المخزون المستهلك، وهو ما يجعل أي حرب طويلة الأمد اختبارًا لقدرة الصناعات الدفاعية الأمريكية على مواكبة الاستهلاك الميداني.
عندما تصبح الذخيرة عاملًا في صناعة القرار
اللافت في التقارير الأمريكية أن مسألة الذخيرة لم تعد مجرد قضية لوجستية، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في القرار السياسي والعسكري داخل واشنطن.
فإلى جانب المخاوف المتعلقة باستنزاف المخزون، عرض المسؤولون العسكريون على الرئيس الأمريكي سيناريوهات أكثر تعقيدًا قد تنجم عن استمرار الضربات، من بينها احتمال توسع الحرب إلى ساحات إقليمية أخرى، واندلاع موجات نزوح واسعة إذا تعرضت البنية التحتية المدنية الإيرانية لضربات كبيرة، فضلًا عن إمكانية استهداف إيران لدول خليجية تستضيف قواعد أمريكية.
لكن التقارير تشير إلى أن أزمة الذخيرة كانت من بين أكثر الملفات إلحاحًا خلال الاجتماع، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى إبطاء العمليات مؤقتًا، دون إعلان رسمي عن تغيير في الاستراتيجية.
مؤشرات ميدانية تثير التساؤلات
وتعززت هذه المخاوف بعد الحادث الذي شهدته قاعدة أمريكية في الأردن في 17 يوليو، عندما تمكن صاروخ باليستي من اختراق الدفاعات الجوية الأمريكية، ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين.
وبحسب مسؤول أمريكي تحدث لـنيويورك تايمز، وقع الهجوم بينما كانت أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية تتعامل مع موجة كثيفة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، دون أن يربط المسؤول بشكل مباشر بين الاختراق ونقص الذخائر، إلا أن توقيت الحادث أعاد فتح النقاش حول قدرة أنظمة الدفاع الأمريكية على مواجهة هجمات متزامنة وطويلة الأمد.
كما نقلت شبكة NBC أن الجيش الأمريكي بدأ بالفعل مراجعة أولويات توزيع الذخائر الدفاعية في المنطقة، في مؤشر على أن إدارة الموارد العسكرية أصبحت جزءًا أساسيًا من التخطيط للمرحلة المقبلة.
ترامب ينفي… والإدارة تتمسك بخيار التفاوض
في المقابل، يرفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإقرار بوجود أزمة في الذخائر العسكرية، مؤكدًا في تصريحات لصحيفة وول ستريت جورنال أن الولايات المتحدة تمتلك “ذخيرة أكثر بكثير من أي دولة أخرى في العالم، وأكثر مما تحتاج إليه”.
أما السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، فأكد أن الرئيس الأمريكي قرر منح مساحة إضافية للمفاوضات، مع التشديد على أن “جميع الخيارات لا تزال مطروحة على الطاولة”، بما في ذلك العودة إلى التصعيد العسكري إذا اقتضت الظروف.
طهران تنفي طلب التفاوض
على الجانب الإيراني، تواصل طهران نفيها وجود أي طلب رسمي لاستئناف المفاوضات مع واشنطن.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن ما يُتداول حول طلب إيران إجراء محادثات مع الولايات المتحدة “مجرد ادعاءات لا أساس لها”، مشددًا على أن استمرار السياسة الأمريكية الحالية لا يهيئ الظروف لبدء عملية تفاوض يمكن وصفها بالمنطقية.
حرب الاستنزاف… الاختبار الأصعب للقوة الأمريكية
تكشف التطورات الأخيرة أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بعدد الطائرات أو حاملات الطائرات المنتشرة في البحار، بل بقدرة الدول على الحفاظ على سلسلة الإمداد العسكري واستدامة مخزونها من الذخائر المتقدمة.
فالولايات المتحدة، رغم امتلاكها أكبر ميزانية دفاعية في العالم، تجد نفسها أمام معادلة معقدة بين مواصلة الضغط العسكري على إيران، والحفاظ على جاهزية قواتها لمواجهة أي أزمات أخرى قد تندلع في مناطق مختلفة من العالم.
وبينما تصر الإدارة الأمريكية على أن التهدئة الحالية تأتي في إطار منح الدبلوماسية فرصة، تشير المؤشرات العسكرية إلى أن مخزونات الذخيرة أصبحت لاعبًا خفيًا في رسم إيقاع الحرب، وربما أحد أهم العوامل التي تحدد متى تبدأ الضربات… ومتى تتوقف.






