تسعى واشنطن إلى تثبيت معادلة دقيقة: إعلان نهاية المرحلة الهجومية ضد إيران، مع الإبقاء على جاهزية عسكرية كاملة لأي تصعيد محتمل. هذا التوازن بين التهدئة المشروطة والردع الصارم يعكس طبيعة المواجهة الحالية، حيث لا يبدو أن أي طرف مستعد للذهاب إلى مواجهة مفتوحة، لكن الجميع يتحرك على حافة التصعيد.
نهاية معلنة… ورسائل مزدوجة
أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن العملية الأميركية المسماة “Epic Fury” قد انتهت، في إشارة إلى انتهاء المرحلة الهجومية المباشرة. غير أن هذا الإعلان لم يكن بمثابة إغلاق للملف، بقدر ما كان إعادة تموضع سياسي.
فالرسالة الأميركية بدت مزدوجة: من جهة، تأكيد الرغبة في عدم توسيع نطاق العمليات، ومن جهة أخرى، التشديد على أن الرد سيكون حاسمًا في حال تعرضت القوات أو الملاحة الدولية لأي تهديد.
مضيق هرمز… مركز التوتر
يبقى مضيق هرمز محور الصراع الحالي، ليس فقط لأهميته الجيوسياسية، بل لتأثيره المباشر على أسواق الطاقة العالمية. سيطرة إيران عليه منذ بداية التصعيد وضعت واشنطن أمام اختبار حساس، بين حماية تدفق التجارة وتجنب الانزلاق إلى حرب واسعة.
التحركات الأميركية، بما في ذلك مرافقة السفن وإطلاق عمليات لتأمين العبور، تعكس محاولة فرض واقع ميداني دون إعلان مواجهة شاملة.
اشتباك محسوب… وإنكار متبادل
رغم إعلان التهدئة، لم تتوقف الحوادث الميدانية. اتهامات متبادلة بين الطرفين بشأن هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، خصوصًا في محيط الخليج، قابلها نفي إيراني رسمي.
اللافت أن هذا النمط — اتهام يقابله إنكار — أصبح جزءًا من إدارة الصراع، حيث يُترك هامش رمادي يسمح للطرفين بتجنب التصعيد المباشر مع الحفاظ على الضغط المتبادل.
تحذيرات من الطرفين
في واشنطن، شدد وزير الدفاع بيت هيغسيث على أن الولايات المتحدة لن تسمح بإغلاق ممر ملاحي دولي، ملوّحًا برد “ساحق ومدمر” في حال استهداف السفن أو القوات.
في المقابل، وجّه الحرس الثوري الإيراني تهديدات واضحة لأي سفينة لا تلتزم بالقواعد التي فرضتها طهران، في محاولة لترسيخ نفوذ ميداني داخل المضيق.
هذا التبادل في الخطاب يعكس حالة ردع متبادل أكثر منه استعدادًا فوريًا للمواجهة.
الاقتصاد يدخل على الخط
الأزمة لم تبقَ عسكرية فقط، بل امتدت بسرعة إلى الأسواق. ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قاربت 110 دولارات للبرميل يعكس حساسية الوضع، حيث يكفي أي اضطراب في المضيق لإحداث صدمة في الإمدادات العالمية.
وفي هذا السياق، تبدو التحركات الأميركية أيضًا محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية، وليس فقط العسكرية.
الدبلوماسية المعلقة
رغم الحديث عن استعداد للحوار من جانب الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، فإن المسار الدبلوماسي لا يزال متعثرًا منذ توقف المحادثات الأخيرة.
الهوة بين المواقف لا تزال واسعة: واشنطن تريد ضمان حرية الملاحة وتقليص النفوذ الإيراني، بينما تصر طهران على رفض أي ضغوط تُفسر كتنازل.
مشهد مفتوح على الاحتمالات
في خلفية كل ذلك، يواصل دونالد ترامب إرسال إشارات تحذيرية محسوبة، دون الذهاب إلى اتهامات مباشرة قد تُفجر الموقف.
المشهد الحالي لا يشير إلى نهاية الصراع، بل إلى انتقاله من مرحلة هجومية واضحة إلى حالة إدارة توتر مستمر. الهدوء النسبي لا يعكس استقرارًا بقدر ما يعكس توازنًا هشًا، يمكن أن ينكسر بسرعة مع أي خطأ في الحسابات.




