في تطور لافت ضمن المشهد السوداني المعقد، أعلنت ما تُعرف بـ”حكومة السلام” استكمال هياكلها التنفيذية، في خطوة تهدف إلى تثبيت أركانها السياسية والإدارية، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الدولة في ظل الأوضاع الراهنة.
وجاءت هذه الخطوة عبر إصدار حزمة من القرارات شملت تعيين وزراء ووكلاء وزارات ومديرين عموميين، في إطار استكمال الجهازين التنفيذي والتشريعي، وإعادة بناء المنظومة الإدارية والاقتصادية والمصرفية في السودان.
وتسعى الحكومة من خلال هذه التعيينات إلى ترسيخ نموذج مؤسسي يركز على سيادة القانون وإعادة الانضباط إلى مؤسسات الدولة، بعد فترة طويلة من الاضطراب والانقسام.
إعلان الاستعداد لوقف الحرب
وبالتوازي مع استكمال المؤسسات، أعلنت الحكومة استعدادها لوقف الحرب والانخراط في ترتيبات لهدنة إنسانية، بما يفتح المجال أمام إيصال المساعدات إلى المتضررين في مختلف أنحاء البلاد.
ويُعد هذا الإعلان مؤشراً على محاولة الانتقال من مرحلة الصراع المفتوح إلى مسار التهدئة، خاصة في ظل التدهور الإنساني المتسارع.
وأكدت القيادة أن خيار السلام لم يعد مجرد طرح سياسي، بل يجب أن يتحول إلى مسار مؤسسي مدعوم بإرادة شعبية، وهو ما يعكس توجهاً لإضفاء شرعية مجتمعية على أي تسوية محتملة.
هيكل حكومي متكامل
شملت التعيينات الجديدة حقائب أساسية، من بينها وزارات العدل، والمالية والتخطيط الاقتصادي، والنقل، والتنمية الاجتماعية والعمرانية، إلى جانب تعيين وزير للإعلام ومتحدث رسمي باسم الحكومة.
كما تم تعيين مسؤولين في مواقع تنفيذية حساسة، من بينهم وكلاء وزارات ومديرون عموميون، بالإضافة إلى قيادة شرطية، في محاولة لإعادة تفعيل الأجهزة النظامية.
ويعكس هذا التوسع في التعيينات رغبة واضحة في بناء جهاز حكومي متكامل قادر على إدارة الملفات الأمنية والخدمية والاقتصادية بالتوازي.
وتطرح الحكومة ما تسميه مشروع “السودان الجديد”، القائم على إعادة تأسيس الدولة وفق مبادئ العدالة وسيادة القانون والاستقرار المستدام، غير أن هذا الطرح يواجه تحديات كبيرة، في ظل استمرار النزاع المسلح، وتعدد مراكز القوى، والانقسام السياسي والميداني.
ويرى مراقبون أن نجاح هذا المشروع يتوقف على قدرة الحكومة على تحقيق اختراق حقيقي في ملف وقف إطلاق النار، وتحويل المبادرات السياسية إلى اتفاقات ملموسة على الأرض.
ورغم الخطوات التنظيمية والإعلانات السياسية، تظل التحديات الميدانية هي العامل الحاسم في تحديد مصير هذه المبادرو، فاستمرار العمليات العسكرية، وتعقيد المشهد الإقليمي، وتداخل المصالح الداخلية والخارجية، كلها عوامل قد تعرقل أي مسار نحو التهدئة.
كما أن بناء مؤسسات جديدة في ظل غياب الاستقرار الأمني يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة هذه الحكومة على فرض نفسها كفاعل رئيسي في المشهد السوداني.
مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات
وفي المحصلة، تمثل خطوات “حكومة السلام” محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي في السودان عبر الجمع بين بناء المؤسسات والدعوة لوقف الحرب.
لكن نجاح هذه المحاولة سيظل مرهوناً بمدى الاستجابة الداخلية، وقدرة الأطراف المختلفة على تغليب خيار التسوية على استمرار الصراع.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تتحول هذه المبادرة إلى نقطة تحول حقيقية، أم تظل مجرد محاولة جديدة في مسار طويل من الأزمات؟




