في مشهد يعكس تحوّلًا نوعيًا في مسار التعاون الاقتصادي بين الجزائر وقطر، وقّعت شركة “بلدنا” القطرية أول حزمة من العقود التنفيذية لإطلاق المرحلة الأولى من مشروعها العملاق لإنتاج الحليب المجفف في منطقة أدرار جنوبي الجزائر. المشروع، الذي تبلغ قيمته الإجمالية نحو 3.5 مليارات دولار أميركي، يُعد من أكبر المشاريع الاستثمارية في القطاع الزراعي والصناعات الغذائية على المستوى الإقليمي، ويحمل في طياته رهانات وطنية كبرى تتجاوز حدود الإنتاج إلى تثبيت دعائم الأمن الغذائي الوطني.
هندسة إنتاج متكاملة بواجهة دولية
تُجسّد العقود الموقّعة، والتي تفوق قيمتها 500 مليون دولار، بداية فعلية لمخطط زراعي متكامل، يشمل استصلاح الأراضي، وإنشاء مزرعتين نموذجيّتين، ومصنع لإنتاج الحليب المجفف، إضافة إلى 700 وحدة ري محوري. ويمتد المشروع على مساحة شاسعة تبلغ 117 ألف هكتار، بالشراكة بين “بلدنا” القطرية والصندوق الوطني للاستثمار في الجزائر.
وتشمل هذه العقود توريد أنظمة متقدمة في الزراعة والإنتاج الحيواني من كبريات الشركات العالمية، أبرزها “G.O.I” الألمانية المتخصصة في تقنيات حلب الأبقار وخطوط إنتاج الحليب، و”فالمونت” الأميركية الرائدة في تقنيات الري الموفّرة للمياه، إلى جانب شركات مقاولات عالمية ومحلية، في تجسيد لتحالف هندسي واقتصادي يجمع بين الخبرات الدولية والكفاءات الجزائرية.
الجزائر والرهان على الأمن الغذائي السيادي
المشروع لا يُقرأ فقط كاستثمار اقتصادي بل كاستراتيجية دولة في زمن عالمي باتت فيه الموارد الزراعية والغذائية أحد مفاتيح الاستقلال والسيادة. فالمراهنة الجزائرية اليوم على إنتاج محلي ضخم للحليب، يهدف إلى تقليص التبعية للخارج، خاصة في مادة استراتيجية تعتمد عليها الأسر والمؤسسات الغذائية يوميًا.
وزير الزراعة الجزائري، يوسف شرفة، وصف العقود بأنها “مرحلة جوهرية” من مشروع واعد، مؤكدًا أن السلطات استكملت كل الإجراءات السيادية لتهيئة الأرضية القانونية والعقارية والفنية. وأشار إلى أن دخول الشركة في إنتاج الحبوب بحلول موسم البذر المقبل هو دليل على جدية المشروع ومردوديته المباشرة، خصوصًا أن الشركة تعتمد على سلالات من الأبقار المصنّفة ضمن الأفضل عالميًا.
إنتاج الحليب في الأفق.. ومراهنة على 2026
وفق المخطط المعلن، من المتوقع أن يبدأ الإنتاج الفعلي للحليب في عام 2026، ضمن دورة إنتاج مغلقة تشمل الأعلاف، والتربية، والتصنيع، بما يضمن التحكم الكامل في الجودة والتكلفة. ويمثل ذلك تحولًا جوهريًا في خارطة الصناعات الغذائية الجزائرية، إذ يدخل القطاع في مرحلة تكنولوجيا الإنتاج الصناعي بدل الاكتفاء بأساليب تقليدية غير كافية لتغطية الطلب الوطني.
ما وراء المشروع: رسائل سياسية واقتصادية
هذا المشروع لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للعلاقات الجزائرية القطرية التي عرفت تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، سواء في البنية التحتية أو الطاقة أو الزراعة. كما يأتي المشروع في وقت تحاول فيه الجزائر إعادة توجيه جزء من ثرواتها إلى مشاريع منتجة تحقق الاكتفاء الذاتي، وتخفف الضغط عن العملة الصعبة في ظل تقلبات سوق الواردات الغذائية.
أما قطر، فهي تؤكد بهذا المشروع أنها لا تنظر إلى أفريقيا فقط كسوق، بل كشريك استراتيجي في إنتاج الغذاء العالمي، وهو ما يتقاطع مع رؤية الدوحة لتعزيز أمنها الغذائي من خلال استثمارات خارجية مدروسة، سبق أن طبّقتها في السودان وبلدان أخرى.
بين الأمل والتحدي: هل تنجح التجربة؟
رغم التفاؤل الرسمي والشراكة النوعية، تبقى بعض التحديات قائمة، مثل التعامل مع مناخ أدرار القاسي، وضمان فعالية التسيير، والتغلب على البيروقراطية، وتوفير اليد العاملة المؤهلة في مناطق نائية. لكن ما هو مؤكد أن المشروع يمثل فرصة تاريخية للجزائر لتحديث قطاع الألبان والزراعة، وفرصة لقطر لإثبات نموذجها في الشراكات التنموية الجادة.






