تفتح الضربة الإيرانية الأخيرة على الإمارات بابًا جديدًا في حسابات أبوظبي الإقليمية، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على التوازنات التقليدية، بل تتجه نحو إعادة تعريف الشراكات الأمنية في ظل بيئة أكثر اضطرابًا. ووفق قراءة تحليلية نشرتها جيروزاليم بوست، فإن هذه التطورات قد تدفع الإمارات إلى النظر إلى إسرائيل ليس فقط كشريك سياسي، بل كحليف أمني أكثر ضرورة من أي وقت مضى.
من الاستهداف إلى إعادة التموضع
الهجوم الإيراني على الإمارات لا يُقرأ كحادث معزول، بل كجزء من نمط أوسع يعكس اعتراض طهران المستمر على مسار التقارب العربي مع إسرائيل، خاصة بعد توقيع اتفاقيات إبراهيم. بالنسبة لإيران، هذا المسار يمثل تهديدًا مباشرًا لنفوذها الإقليمي، وهو ما يفسر محاولاتها المتكررة للضغط على الدول المنخرطة فيه.
لكن المفارقة أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ تدفع الأطراف المستهدفة إلى تعزيز علاقاتها بدل التراجع عنها.
شراكة تتجاوز السياسة
منذ 2020، لم تكن العلاقة بين الإمارات وإسرائيل مجرد اتفاق دبلوماسي، بل جزءًا من تصور أوسع لإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة. ومع تصاعد التهديدات — سواء في الخليج أو عبر أذرع إيران في المنطقة — بدأت هذه العلاقة تكتسب بُعدًا أمنيًا متزايدًا.
التجارب السابقة، من هجمات منشآت الطاقة في السعودية إلى استهداف الملاحة في الخليج، شكّلت خلفية مهمة لهذا التحول، حيث أظهرت أن التهديد لم يعد نظريًا بل عمليًا ومتكررًا.
ذاكرة التهديدات وتراكمها
ما يحدث اليوم ليس منفصلًا عن مسار بدأ منذ سنوات. هجمات 2019 على منشآت الطاقة والسفن، ثم الحرب في اليمن واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، كلها ساهمت في ترسيخ قناعة لدى دول الخليج بأن التهديد الإيراني طويل الأمد ومتعدد الأدوات.
في هذا السياق، تبدو الضربة الأخيرة للإمارات امتدادًا لنفس النمط، لكنها تحمل رسالة أكثر مباشرة: أن أبوظبي نفسها أصبحت ضمن دائرة الاستهداف المباشر.
تحالفات متحركة ومسارات متباينة
رغم أن الإمارات لا تزال جزءًا من مجلس التعاون الخليجي، فإنها في السنوات الأخيرة سلكت مسارًا أكثر استقلالية في سياستها الخارجية. هذا المسار شمل تنويع الشراكات، وإعادة تقييم الأولويات، وحتى اتخاذ قرارات اقتصادية واستراتيجية منفصلة عن بعض الحلفاء التقليديين.
هذا الاستقلال يمنحها مرونة، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام تحدي بناء شبكة أمان خاصة بها في بيئة إقليمية غير مستقرة.
بين الأمن والحسابات السياسية
التقارب مع إسرائيل، رغم أبعاده الأمنية، لا يخلو من تعقيدات سياسية. فالحرب في غزة، والتوترات في لبنان وسوريا، تجعل أي انفتاح علني حساسًا داخليًا وإقليميًا. ولهذا، تميل بعض الدول إلى إدارة هذه العلاقات بعيدًا عن الأضواء، دون التخلي عنها فعليًا.
الإمارات تبدو مدركة لهذا التوازن: تعزيز التعاون حيث يلزم، مع تجنب الانخراط في صراعات قد توسّع دائرة المخاطر.
لحظة إعادة تعريف
الضربة الإيرانية الأخيرة قد لا تغيّر الخريطة فورًا، لكنها تسرّع اتجاهًا كان يتشكل بالفعل. أبوظبي تجد نفسها أمام معادلة جديدة: تهديد مباشر يتطلب أدوات ردع أكثر فعالية، وشبكة تحالفات قادرة على التعامل مع سيناريوهات غير تقليدية.
في مثل هذه اللحظات، لا تُبنى القرارات على رد الفعل فقط، بل على قراءة طويلة المدى لما قد تحمله المرحلة المقبلة، حيث يصبح الأمن الإقليمي أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ارتباطًا بقدرة الدول على اختيار شركائها بعناية.




