في واحدة من أكثر اللحظات السياسية حساسية في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي، خرج رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بتصريحات مثيرة للجدل خلال جلسة حكومية مغلقة، قال فيها إن جيشه ألقى أكثر من 150 طنًا من الذخائر على مواقع تابعة لحركة حماس، ردًا على هجمات استهدفت جنوده.
هذه الجملة القصيرة بدت للوهلة الأولى تصريحًا عاديًا من زعيم حكومة في حالة حرب، لكنها في مضمونها تحمل اعترافًا صريحًا باستخدام القوة المفرطة ضد منطقة مأهولة بالسكان، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل خطير: هل أوقع نتنياهو نفسه في فخ قانوني أمام المحكمة الجنائية الدولية؟
ملاحقات قضائية قائمة بحق نتنياهو
تأتي هذه التصريحات في ظل ملاحقات قضائية قائمة بالفعل بحق نتنياهو وعدد من وزرائه وقادة جيشه، بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال بحقهم بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتشمل الاتهامات استخدام التجويع كسلاح حرب، واستهداف المدنيين، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، وهي اتهامات كافية لجرّ أي قائد سياسي إلى أقصى درجات المساءلة الدولية.
اللافت في توقيت هذه التصريحات أنها جاءت بينما يحاول نتنياهو الدفاع عن نفسه داخليًا أمام معارضة إسرائيلية تتهمه بالفشل في إدارة الحرب، وخارجيًا أمام العالم الذي يراقب سلوكه العسكري في غزة، لكنه وعلى غير المتوقع، قدّم مادة قانونية جديدة يمكن للمدعين الدوليين استخدامها لتدعيم ملف الاتهام، إذ اعتُبر حديثه إقرارًا بعمليات قصف واسعة النطاق دون تحديد أهداف عسكرية واضحة.
اعتراف غير مقصود أم تبرير مكشوف؟
يرى محللون أن نتنياهو لم يكن يقصد تقديم اعتراف قانوني، بل كان يسعى لإظهار الحزم أمام وزرائه وجمهوره الداخلي، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إليه.
إلا أن الصياغة المباشرة لتصريحاته، والحديث عن “150 طنًا من الذخائر” كأمر واقع، تُعد بمثابة إقرار ضمني باستخدام مفرط للقوة، وهو ما يضعه أمام تساؤلات خطيرة أمام أي جهة قضائية دولية.
وبحسب خبراء القانون الدولي، فإن التصريحات التي تصدر عن قادة الدول، خصوصًا أثناء أو بعد النزاعات المسلحة، يمكن اعتبارها أدلة ظرفية تدعم الاتهامات إذا ثبت أن ما ورد فيها يتطابق مع تقارير وشهادات موثقة، ومن ثمّ فإن ما قاله نتنياهو لا يمكن اعتباره مجرد زلة لسان، بل قد يُستغل كدليل إضافي على ارتكاب الجيش الإسرائيلي أعمالًا ترقى إلى مستوى “الجرائم الدولية الكبرى”.
الذخائر التي لم تنفجر.. شاهد آخر على الجرائم
وفي موازاة ذلك، تكشف تقارير أممية عن وجود ما يزيد على 20 ألف جسم متفجر لم ينفجر في قطاع غزة حتى اليوم، نتيجة القصف الإسرائيلي الكثيف.
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي ما ألقاه الجيش الإسرائيلي منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023 تجاوز 200 ألف طن من المتفجرات. هذه الأرقام المروعة لا يمكن فصلها عن تصريحات نتنياهو الأخيرة، إذ تعكس حجم الدمار المتعمد الذي طاول البنية التحتية المدنية والمناطق السكنية.
وتقول منظمات حقوقية إن تلك المخلفات غير المنفجرة باتت تشكل خطرًا دائمًا على حياة الفلسطينيين، وتعد أحد أشكال “الجرائم المستمرة”، لأنها تقتل المدنيين حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، وبذلك يصبح “الاعتراف” بكمية الذخائر ليس مجرد حديث سياسي، بل تأكيدًا على نمط قتال لا يراعي التناسب ولا يميز بين المقاتلين والمدنيين.
المحكمة الجنائية الدولية تترقب
مصادر في لاهاي، تحدثت لوسائل إعلام غربية، أكدت أن مكتب الادعاء العام بالمحكمة الجنائية الدولية يتابع بدقة كل التصريحات الصادرة عن قادة الاحتلال، ويقوم بتحليلها في سياق الأدلة الميدانية. وأوضحت تلك المصادر أن أي إقرار باستخدام أسلحة أو تكتيكات غير متناسبة مع القانون الدولي الإنساني، يمكن أن يُدرج ضمن ملف الملاحقة الجارية ضد نتنياهو وجالانت.
ويعتقد مراقبون أن المحكمة ستستفيد من تصريحات نتنياهو الأخيرة لإثبات “النية” و”المعرفة المسبقة”، وهما ركنان أساسيان في قضايا الجرائم الدولية، فحين يقول رئيس الحكومة بنفسه إن الجيش ألقى عشرات الأطنان من الذخائر على منطقة مأهولة، فهذا يعني أنه كان على علم بنتائج هذا القصف ولم يتخذ إجراءات لتجنّب الإضرار بالمدنيين.
وتعليقا على ذلك، يقول الدكتور سامح فوزي، أستاذ القانون الدولي الإنساني، إن ما قاله نتنياهو يكفي لاعتباره متورطًا في جريمة “الاستهداف العشوائي” وفقًا لاتفاقيات جنيف، حتى لو لم تكن هناك نية مباشرة للإبادة. فالإقرار باستخدام كمية ضخمة من الذخائر دون الإشارة إلى التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية يُعد دليلاً على انتهاك مبدأ التناسب.
وأضاف فوزي أن المحكمة الجنائية لا تحتاج إلى أوامر مكتوبة لإثبات الجريمة، بل يمكنها الاعتماد على التصريحات الرسمية المتكررة كقرائن تؤكد ارتكاب الانتهاكات. مشيرًا إلى أن القانون الدولي يعتبر “الاعتراف الضمني” أحد أشكال الأدلة القوية عندما يصدر من مسؤول على رأس السلطة التنفيذية.
وأكد أن خطورة الموقف تكمن في أن نتنياهو لم يكتفِ بالتصريح، بل ربطه بتبرير سياسي يقول فيه إنه “لن يتسامح مع أي هجمات”، وهو ما يُفهم على أنه “عقاب جماعي” لسكان غزة، وهو جريمة موثقة في القانون الدولي الإنساني.
نتنياهو يتحدث لجمهوره وينسى العالم
أما الدكتور أحمد ياسين، الباحث في العلاقات الدولية، فيرى أن تصريحات نتنياهو ليست موجهة للعالم الخارجي، بل لجمهوره الداخلي الذي يضغط عليه سياسيًا، فبعد سلسلة من الخسائر السياسية والعسكرية، يحاول نتنياهو الظهور بمظهر القائد الصلب الذي لا يخضع لأي ضغوط، حتى لو كان الثمن مزيدًا من العزلة الدولية.
ويضيف ياسين أن نتنياهو اعتاد استخدام خطاب القوة والمبالغة في توصيف العمليات العسكرية لكسب دعم اليمين المتطرف داخل حكومته. لكنه في الوقت نفسه ينسى أن كل كلمة تُقال تُرصد وتُوثّق، لتتحول لاحقًا إلى دليل ضده، ويشير إلى أن هذا النمط من الخطاب هو ما جعل المحكمة الجنائية الدولية أكثر جرأة في التعامل مع الملف الإسرائيلي.
كما يوضح أن الدعم الأمريكي الذي أشار إليه نتنياهو في كلمته لا يمنحه حصانة قانونية، لأن المحكمة الجنائية تتعامل مع “الأفعال” وليس “التحالفات”، وبالتالي فإن أي توثيق لاستخدام القوة المفرطة يظل قائمًا بغض النظر عن المواقف السياسية الأمريكية أو الغربية.
الاعتراف يكشف مأزقًا داخليًا
من جهتها، ترى الدكتورة نوران عبد الحميد، المتخصصة في الشؤون الإسرائيلية، أن الاعتراف الأخير يعكس حالة من الارتباك داخل حكومة الاحتلال، فنتنياهو الذي يواجه انقسامًا داخليًا حادًا، بدأ يفقد السيطرة على خطابه، ما يجعله يتحدث بانفعال سياسي يفضح ما كان يحاول إنكاره منذ بداية الحرب.
وتشير إلى أن تصاعد الانتقادات من داخل الجيش ذاته بشأن إدارة الحرب في غزة، دفع نتنياهو إلى التحدث عن “القوة المفرطة” كمحاولة لتأكيد سيطرته على الموقف العسكري، لكن هذا الخطاب ينقلب عليه دوليًا لأنه يُظهره كمن يتفاخر باستخدام العنف، لا كمن يدافع عن نفسه وفق القانون.
وتضيف عبد الحميد أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها تدرك أن تصريحات نتنياهو تضر بصورة إسرائيل في الخارج، لكنها لا تملك القدرة على كبحه، نظرًا لهيمنته على المشهد السياسي والإعلامي في البلاد.
تساؤلات مفتوحة في أروقة العدالة الدولية
في ضوء هذه المعطيات، يتساءل مراقبون: هل يمكن أن يتحول “الاعتراف الفاضح” إلى نقطة تحوّل في مسار الملاحقات الدولية؟ الإجابة ليست بسيطة، لكن المؤكد أن هذا النوع من التصريحات يضيف طبقة جديدة من الأدلة التي يصعب تجاهلها، خاصة إذا تزامنت مع توثيقات ميدانية من منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية العاملة في غزة.
وتشير مصادر حقوقية إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تعتمد في تحقيقاتها على مزيج من الأدلة المادية والتصريحات العلنية، مما يجعل كلام نتنياهو بمثابة “إدانة لفظية” تكمّل الأدلة الميدانية التي توثق جرائم القصف العشوائي والتجويع.
الغرب في حرج.. ودعم واشنطن تحت المجهر
ورغم استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، إلا أن الموقف الغربي بدأ يشهد تغيرًا تدريجيًا مع تزايد الضغوط الحقوقية والإعلامية، فتصريحات نتنياهو الأخيرة وضعت حلفاءه في موقف حرج، لأن استمرار الدفاع عنه يعني التواطؤ في التغطية على جرائم حرب محتملة، وهو ما تحاول بعض الدول الأوروبية النأي بنفسها عنه.
ويقول دبلوماسي أوروبي سابق إن التصريحات الأخيرة ستؤدي إلى تصاعد الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في مستوى التعاون العسكري مع إسرائيل، لأن أي دعم في ظل هذه الاعترافات قد يُفسر على أنه مشاركة غير مباشرة في جرائم حرب.
نتنياهو يخاطب جمهوره الداخلي وينسى أن العالم يسمع
ويرى الدكتور أحمد ياسين، الباحث في العلاقات الدولية، أن تصريحات نتنياهو لم تكن موجهة إلى الخارج بقدر ما كانت محاولة لطمأنة الداخل الإسرائيلي، الذي بدأ يفقد الثقة في قدرته على الحسم العسكري والسياسي، ويشير إلى أن إسرائيل تمر بأزمة قيادة حقيقية، فنتنياهو محاصر بين المعارضة الداخلية من جهة، والاتهامات الدولية من جهة أخرى، لذلك يحاول عبر خطاب القوة أن يستعيد توازنه السياسي ولو على حساب صورته الدولية.
ويضيف ياسين أن هذا النمط من الخطاب هو استمرار لاستراتيجية نتنياهو القائمة على “الإنكار العلني والاعتراف الضمني”، أي أنه يتحدث بعبارات توحي بالبطولة العسكرية أمام جمهوره، لكنها في الوقت ذاته تكشف عمق التورط في جرائم ممنهجة ضد المدنيين.
ويؤكد أن هذا الخطاب يخدم المدى القصير داخل إسرائيل، لكنه يُحدث ضررًا بالغًا في المدى الطويل على مستوى العلاقات الخارجية، فالعالم اليوم يتعامل مع التسجيلات والتصريحات كأدلة دامغة، خصوصًا في ظل التوثيق المستمر من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية.
ويرى ياسين أن استمرار واشنطن في الدفاع عن نتنياهو لن يمنحه الحصانة إلى الأبد، لأن الرأي العام الغربي بدأ يتحول تدريجيًا، فتصريحات “لن نتسامح مع أي هجمات ضدنا وسنرد بما نراه مناسبًا” تُترجم في العواصم الأوروبية إلى “إطلاق يد الجيش بلا قيود”، وهي صيغة تثير القلق لدى الحلفاء قبل الخصوم. لذا فإن حلفاء إسرائيل أنفسهم بدأوا يشعرون بأن نتنياهو أصبح عبئًا سياسياً يصعب الدفاع عنه أمام شعوبهم.
ويختم ياسين بالقول إن أخطر ما في الموقف أن نتنياهو لا يدرك حجم التحول في النظام الدولي. فالعالم الذي كان يتسامح مع “مبررات الأمن الإسرائيلي” بدأ يضع حدودًا واضحة بين الدفاع عن النفس والإبادة، وبمجرد أن تتراكم الأدلة اللفظية والميدانية، يصبح من المستحيل على أي زعيم، مهما كانت تحالفاته، أن يفلت من المحاسبة الأخلاقية والقانونية.
الخطاب الانفعالي يكشف انهيار الصورة الذهنية لزعيم القوة
وتؤكد الدكتورة نوران عبد الحميد، الباحثة في الشؤون الإسرائيلية، أن حديث نتنياهو الأخير لا يعكس ثقة القائد المنتصر، بل ارتباك زعيم يشعر بأن الأرض تهتز من تحته. وتشير إلى أن اللغة التي استخدمها تحمل نبرة “التبرير القسري”، وكأن الرجل يدافع عن نفسه قبل أن يُسأل، وهذا بحد ذاته دليل على حجم الضغوط التي يتعرض لها داخليًا، سواء من المؤسسة العسكرية أو من المعارضة التي تتهمه بتوريط إسرائيل في حرب لا نهاية لها.
وترى عبد الحميد أن نتنياهو يواجه مأزقًا مركبًا؛ فمن ناحية، هو مطالب بإظهار الحزم أمام الجمهور الإسرائيلي الغاضب، ومن ناحية أخرى، يحتاج إلى طمأنة الغرب بأنه لا يقود حرب إبادة، لكنه فشل في تحقيق التوازن بين الاثنين، فاختار خطاب القوة المفرطة الذي يُرضي جمهوره اليميني، لكنه يدمر ما تبقى من مصداقيته الدولية، وهذا التناقض هو ما يجعل تصريحاته تبدو وكأنها “اعترافات غير مقصودة”، تكشف أكثر مما تخفي.
وتضيف عبد الحميد أن المؤسسة الأمنية في تل أبيب تشعر بالقلق من طريقة إدارة نتنياهو للملف الإعلامي، إذ باتت تصريحاته تُستخدم في الحملات الحقوقية ضده، الأمر الذي دفع بعض الجنرالات المتقاعدين إلى المطالبة بضبط الخطاب الرسمي، فالمسألة لم تعد مجرد “جدل سياسي”، بل تحولت إلى خطر استراتيجي على صورة إسرائيل كدولة “ديمقراطية تحترم القانون الدولي” — وهي الصورة التي انهارت فعليًا بعد حرب غزة.
وتختتم الخبيرة الإسرائيلية تحليلها بالتأكيد على أن ما يحدث هو “انهيار تدريجي لأسطورة نتنياهو”، الذي اعتاد تقديم نفسه كحامي إسرائيل من العزلة الدولية، فاليوم، يبدو أن تصريحاته نفسها أصبحت السلاح الذي يعزله عن العالم، ومع كل اعتراف جديد، تتسع الفجوة بينه وبين الرأي العام العالمي، لتتحول كلماته من وسيلة دفاع إلى أداة إدانة سياسية وقانونية ستطارده حتى بعد مغادرته الحكم.






