يتصاعد التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يعود بحر الصين الجنوبي إلى واجهة الصراع الدولي بوصفه إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية في العالم، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والاقتصادية مع النزاعات السيادية بين بكين وعدد من دول الجوار.
ومع مرور تسع سنوات على حكم محكمة التحكيم الدولية الذي أبطل الأساس القانوني للمطالبات الصينية الواسعة في البحر، تتجدد الضغوط الغربية على بكين للالتزام بالقانون الدولي، في مقابل تمسك الصين برفض القرار واعتباره “باطلاً”، ما يعكس اتساع فجوة الخلاف بين الطرفين ويثير المخاوف من أن تتحول الاحتكاكات المتكررة في المياه المتنازع عليها إلى مواجهة أوسع تهدد أمن الملاحة والاستقرار في منطقة تمثل أحد أهم الشرايين التجارية العالمية.
إجماع غربي يتحدى المطالبات الصينية
وأكدت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وعشرات الدول الغربية والآسيوية الأخرى يوم الأحد أن مطالبات الصين الواسعة في بحر الصين الجنوبي غير قانونية استناداً إلى حكم تحكيم صدر عام 2016.
وأصدرت الدول الأربع عشرة بياناً مشتركاً أعربت فيه عن رفضها لأي أعمال “مزعزعة للاستقرار” في المياه المتنازع عليها، والتي تهدد الاستقرار الإقليمي. وأصدر الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، بياناً منفصلاً، أكد فيه أن الحكم “قرار تاريخي في التسوية السلمية للنزاعات”.
وقد أحيت هذه البيانات ذكرى حكم التحكيم الصادر في 12 يوليو 2016 عن محكمة تم إنشاؤها في لاهاي بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، قائلة إن القرار التاريخي “نهائي وملزم قانوناً”.
بكين تتمسك بالرفض وتصعد موقفها
في المقابل، أكدت الصين مجدداً يوم الأحد أن الحكم “باطل ولاغٍ وليس له أي قوة ملزمة” وأن بكين “لا تقبله ولا تعترف به”. ورفضت الصين الانضمام إلى التحكيم الذي بدأته الفلبين في عام 2013 بعد مواجهة متوترة في المياه المتنازع عليها قبل عام انتهت باستيلاء بكين فعلياً على منطقة متنازع عليها .
ورفضت بكين حكم عام 2016، وتواصل الدفاع عن مطالباتها بالسيادة على كامل الممر البحري تقريباً، وهو طريق تجاري عالمي رئيسي لطالما اعتُبر أحد أكثر بؤر التوتر نشاطاً في آسيا. وشهدت هذه المنطقة مواجهات إقليمية متكررة بين الصين والفلبين وفيتنام وماليزيا وبروناي وتايوان .
وجاء في البيان الذي تقوده الولايات المتحدة: “نؤكد مجدداً قرار محكمة التحكيم بأنه لا يوجد أساس قانوني لمطالبات الصين البحرية الواسعة في بحر الصين الجنوبي، بما في ذلك تلك القائمة على “الحقوق التاريخية”.
حكم لاهاي يعيد رسم الإطار القانوني للنزاع
وقد أصدرت هيئة التحكيم قرارها إلى حد كبير لصالح الفلبين، حيث قضت حينها بأنه بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، “لا يوجد أساس قانوني للصين للمطالبة بحقوق تاريخية في الموارد” في بحر الصين الجنوبي خارج مناطقها الإقليمية المعتادة المعترف بها بموجب الاتفاقية.
دخلت الاتفاقية، التي تعتبر إلى حد كبير المعاهدة التي تحكم محيطات وبحار العالم، حيز التنفيذ في عام 1994 وتم التصديق عليها من قبل أكثر من 170 دولة وطرف، بما في ذلك الصين والفلبين. بالإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، كانت الدول الأخرى المدرجة في بيان يوم الأحد هي الفلبين واليابان وأستراليا ونيوزيلندا وكندا وألمانيا وإيطاليا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفينيا.
وأكدت الدول “معارضتنا الشديدة لاستخدام قوات خفر السواحل والقوات العسكرية وقوات الميليشيات البحرية لمضايقة وعرقلة وترهيب العمليات المشروعة التي تقوم بها دول أخرى في البحر أو في الجو، مما يعرض سلامة الأفراد والصيادين للخطر ويؤدي إلى تدهور خطير في السلام والأمن الإقليميين”.
الصين ترفض الضغوط الدولية وتتمسك بسيادتها
وقالت الدول إنه يجب احترام “حرية الملاحة والتحليق، فضلاً عن الاستخدامات الأخرى المشروعة دولياً للبحر كما هو منصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”، مضيفة أنه ينبغي حل النزاعات الإقليمية سلمياً استناداً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982.
وفي بكين، قالت وزارة الخارجية الصينية إن محكمة التحكيم وحكمها “يخالفان بشكل خطير الممارسة العامة للتحكيم الدولي” و”ينتهكان بشكل خطير الحقوق المشروعة للصين كدولة ذات سيادة ودولة طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهما غير عادلين وغير قانونيين”.
وقالت وزارة الخارجية الصينية: “تعارض الصين ولن تقبل أبداً أي مطالبة أو إجراء يستند إلى تلك الأحكام”، مضيفة أن بكين “لا تقبل أي وسيلة لتسوية النزاعات من قبل طرف ثالث أو أي حل مفروض على الصين”.
بحر الصين الجنوبي بؤرة احتكاك تهدد الاستقرار الإقليمي
أصبحت المواجهات الإقليمية في المياه المتنازع عليها أكثر انتشاراً في السنوات الأخيرة، لا سيما بين القوات الصينية والفلبينية والفيتنامية وأساطيل الصيد.
استخدمت سفن خفر السواحل الصينية وسفن الدعم مدافع مياه قوية ، وأجهزة ليزر عسكرية، ومناورات عرقلة خطيرة ضد القوات الفلبينية والصيادين من الدول المنافسة المطالبة بالسيادة، مما أدى إلى تصادمات في أعالي البحار ومواجهات عالية الخطورة في الجو.
دعت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً الصين إلى الامتثال لحكم التحكيم، وحذرت كل من إدارة بايدن السابقة وإدارة ترامب الحالية من أن واشنطن ملزمة بالدفاع عن الفلبين، أقدم حليف لها بموجب معاهدة في آسيا، إذا تعرضت القوات أو السفن أو الطائرات الفلبينية لهجوم مسلح في المياه المتنازع عليها.






