تتحرك السلطة الفلسطينية في الآونة الأخيرة عبر قنواتها الدبلوماسية لمحاولة كسر جدار الصمت الدولي تجاه ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من جرائم متواصلة في قطاع غزة والضفة الغربية، في ظل حرب دخلت عامها الثاني وتهدد بمحو أي إمكانية لحل سياسي. اللقاء الذي جمع رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح بالقنصل العام الإيطالي في القدس دومينيكو بيلاتو يعكس هذا الجهد المتواصل، إذ لم يقتصر الحديث على عرض المعاناة اليومية للفلسطينيين، بل شمل وضع المجتمع الدولي أمام صورة واضحة لانتهاكات إسرائيل الممنهجة.
تجويع واستهداف المدنيين
من خلال استعراض المآسي في غزة، من حصار وتجويع واستهداف المدنيين، وربطها بمحاولات تهجير قسري في الضفة الغربية والقدس، تسعى القيادة الفلسطينية إلى تثبيت سردية أن ما يجري ليس مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل سياسة متكاملة تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين. هذا الخطاب يتقاطع مع تقارير المنظمات الحقوقية الدولية وقرارات المحكمة الجنائية الدولية، ما يمنح الرواية الفلسطينية ثقلاً قانونياً وأخلاقياً في مواجهة الرواية الإسرائيلية.
وفي المقابل، بدا لافتاً حرص فتوح على إبراز استمرار العملية الديمقراطية الفلسطينية من خلال انتخابات المجلس الوطني، وإن كانت مشروطة بوقف الحرب. هذه الإشارة تحمل رسالة مزدوجة للغرب: من جهة، تأكيد أن الفلسطينيين يملكون مؤسسات شرعية تسعى إلى تجديد نفسها رغم الظروف، ومن جهة أخرى تحميل الاحتلال المسؤولية المباشرة عن تعطيل أي مسار سياسي داخلي.
الرد الإيطالي يعكس مساحة محدودة ولكن مؤثرة من التضامن الأوروبي، إذ أبدى القنصل اهتمام بلاده بالتحركات الفلسطينية وبالجرحى الذين تتكفل الحكومة الإيطالية بعلاجهم، كما شدد على الموقف الداعي إلى وقف الحرب وفتح المعابر. هذا الموقف لا يرقى إلى مستوى الضغط السياسي الصريح على إسرائيل، لكنه يشير إلى وجود تململ غربي يتعاظم مع طول أمد الحرب وتصاعد كلفتها الإنسانية.
حشد التأييد العالمي
تحاول السلطة الفلسطينية من خلال هذه اللقاءات تكوين شبكة دعم أوروبية ودولية، تقوم على ربط الجرائم الإسرائيلية بالتهديد المباشر للاستقرار الإقليمي والقانون الدولي. ورغم محدودية النتائج الملموسة حتى الآن، فإن هذه الجهود تعكس استراتيجية السلطة في توظيف علاقاتها مع العواصم الغربية ليس فقط لإغاثة الفلسطينيين، بل أيضاً لإبقاء الملف الفلسطيني على الطاولة الدولية ومنع إسرائيل من فرض سرديتها المنفردة.
بهذا المعنى، يتحول النشاط الدبلوماسي الفلسطيني إلى ساحة مواجهة موازية لساحة القتال، هدفها إضعاف الغطاء السياسي الممنوح لإسرائيل، وحشد التأييد العالمي لوقف العدوان ورفع الحصار. ويبقى التحدي الأبرز أمام السلطة هو تحويل هذه المواقف المتعاطفة إلى ضغوط عملية توقف آلة الحرب الإسرائيلية وتكسر دائرة الإفلات من العقاب.






