أحمد أبو حليمة – غزة في قلب غزة التي أنهكتها الحرب، حيث تتداخل أصوات الانفجارات مع بكاء الأطفال، يبقى مشهد الطلاب وهم يحملون كتبهم بين الركام أحد أكثر صور الصمود إلهامًا.
ففي وقتٍ تُطفئ فيه الحرب أحلامهم، يصرّ أطفال وطلاب القطاع على أن يُبقي الأمل نافذة مفتوحة نحو الغد.
كانت الحياة التعليمية قبل الحرب تسير بخطى ثابتة. المدارس تعجّ بالطلاب، والكتب تملأ الحقائب، والأصوات في الساحات تردد النشيد الصباحي. لكن منذ السابع من أكتوبر، تغيّر المشهد تمامًا:
تحوّلت المدارس إلى مراكز إيواء، والفصول إلى خيام، والطلاب إلى نازحين يبحثون عن مقعد يواصلون عليه ما تبقى من تعليمهم. بحسب وزارة التربية والتعليم في غزة: أكثر من 400 ألف طالب حُرموا من التعليم منذ بداية الحرب. تم تدمير أو تضرر نحو 80% من المدارس في القطاع. واستُشهد مئات المعلمين والطلبة أثناء النزوح أو داخل أماكن لجوئهم. وتؤكد الوزارة أن “ما يجري في غزة هو تدمير شامل للبنية التعليمية، وحرمان جيل كامل من أبسط حقوقه الإنسانية.”
غزة، قلب الحصار والأمل
في قلب غزة المحاصرة، بين ركام البيوت وذكريات الطفولة الممزقة، تقف الطالبة شهد محمد أبو حليمة، البالغة من العمر 17 عامًا، شاهدة على قسوة الحرب وفقدان الأحبة، لكنها أيضًا رمز للصمود والإصرار على أن تبقى الأحلام حية رغم أقسى الظروف. قصتها ليست مجرد حكاية فتاة، بل مرآة لمعاناة جيل كامل يواجه الحرب والمجاعة والحرمان من التعليم، ويسعى للتمسك بالأمل حتى في أحلك اللحظات.
تقول ريم النجار، ناشطة في مجال حقوق الإنسان:
“الحرمان من التعليم في غزة ليس مجرد نتيجة للحرب، بل انتهاك واضح للمادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن لكل إنسان حقًا في التعليم، وكذلك المادة (50) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تُلزم قوة الاحتلال بضمان استمرار التعليم في أوقات النزاع.”
وتضيف:
“استهداف المدارس وتحويلها إلى مراكز إيواء أو مناطق خطر يُعدّ جريمة حرب وفق القانون الدولي الإنساني، لأنه يهدد مستقبل أجيال كاملة.”
من حياة طبيعية إلى كابوس الحرب
شهد، من حي الشجاعية شرق غزة، كانت حياتها قبل السابع من أكتوبر طبيعية وهادئة. تروي:
“كنت أدرس في مدرسة دلال المغربي، أذهب كل صباح مع صديقاتي، نذاكر ونتعاون مع بعض. كان عندي غرفة خاصة أدرس فيها، أمان وخصوصية، وكل شيء متوفر. كنت في الصف الحادي عشر، وأحلم بمستقبل مليء بالنجاحات والطموحات.”
لكن صباح السابع من أكتوبر قلب حياتها رأسًا على عقب. أصوات القصف والانفجارات لم تترك مجالًا للهدوء، وبدأت سلسلة النزوح المتواصل من بيتهم الدافئ إلى غرب غزة، ثم النصيرات، رفح، وأخيرًا دير البلح. مع كل انتقال، كان التعب والتشتت يزدادان، ومع غياب المدارس والإنترنت والكهرباء، تحولت رحلة التعليم إلى معركة يومية للبقاء على خط التعلم، سواء في خيام تعليمية مكتظة أو عبر دروس خصوصية باهظة التكاليف.
بين الركام والمجاعة
بعد فترة من النزوح، عادت العائلة إلى حيّها في الشجاعية، أملاً في استعادة حياة طبيعية، لكنها وجدت بيتها قد هُدم بالكامل. نصبوا خيمة فوق الركام محاولين استعادة بعض الذكريات، لكن سرعان ما انهارت التهدئة واضطروا للنزوح مجددًا.
كانت المجاعة أحد أصعب الصدمات: “رأيت بعيني الآباء عاجزين عن إطعام أطفالهم. لم يعد الطعام متاحًا بسهولة، والأسعار ارتفعت بشكل جنوني.” وعندما ذهب والدها للحصول على كيس طحين من مناطق المساعدات، لم يعد، واستُشهد محاولًا سد جوع أسرته.
شهدت هذه اللحظة بألم شديد: فقدت سندها وحلم والدها برؤيتها تتخرج. لكنها لم تستسلم، بل تعهدت أن تحقق حلمها وحلمه معًا، مهما كانت الظروف.
حمل المسؤولية والاستمرار بالأمل
بعد استشهاد والدها، أصبحت شهد تتحمل مسؤولية أكبر. كابنة كبرى، اضطرت للاعتناء بإخوتها الصغار مع مواصلة دراستها، في وقت تحولت فيه الحياة إلى تحدٍ مستمر بين البقاء على قيد الأمل وتحقيق التعليم. رغم كل ما واجهته من ألم وفقدان، ما زالت تصر على المضي قدمًا، متشبثة بحلمها الكبير: أن تستكمل تعليمها وتحقق مستقبلًا أفضل لها ولعائلتها.
حين ينهض الحرف من تحت الركام
يظل التعليم أداة قوية للتغيير والمقاومة، فكل درس يُعطى وكل معرفة تُكتسب تمثل خطوة نحو إعادة بناء الأمل وتحقيق المستقبل الذي يستحقه كل إنسان. دعم التعليم في غزة هو استثمار في الكرامة الإنسانية وفي بناء مجتمع قادر على النهوض رغم أصعب الظروف. قصص مثل قصة شهد هي شهادة حية على قدرة الإنسان على الصمود في أصعب الظروف. هي تذكرنا بأن الأمل والإرادة يمكن أن يزهروا حتى بين الأنقاض، وأن كل حلم مهما بدا صعبًا، يستحق أن يُحافظ عليه.






