احتدم الصراع بين سوريا وإسرائيل، بعد قيام جيش الاحتلال، بتوجيه ضربات عسكرية لدمشق، وفرض سيطرته على الجولان، في محاولة للاستيلاء عليها، وهو ما دفع سوريا للجوء للأمم المتحدة، لإيجاد حل سياسي، يوقف ممارسات الاحتلال، وانتهاكه لسيادة الدول.
انخراط سوريا في محادثات جادة حول الأمور التي تمس أمنها وأمن المنطقة واستقرارها، لا يعني تنازلها عن أن الجولان، وهو موقف جسدته من خلال الحشد الدولي الناجح لهذا القرار. قبل شهور أجرى الجانبين مفاوضات سرية فى أذربيجان برعاية تركية، وفى الأيام الماضية كثرت وتتالت التقارير التى تتحدث عن أن المفاوضات مستمرة فى أماكن أخرى، وقد تقود إلى اتفاق سلام قريبًا يضم سوريا إلى قائمة الدول العربية التى وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل.
إسرائيل ترافض العودة إلى حدود 1967
النظام السابق سواء فى عهد حافظ الأسد الأب أو بشار الابن تفاوض مع إسرائيل أكثر من مرة، وكاد يصل إلى اتفاق بعد موافقة إسرائيل على الانسحاب من كل مرتفعات الجولان، لكن مع الاحتفاظ فقط بالسيطرة على بحيرة طبرية، باعتبارها مصدرًا مهمًا للمياه فى منطقة تعانى كلها من ندرة المياه، وهو ما رفضته دمشق وقتها.
وجددت إسرائيل موقفها الرافض للعودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967، مؤكدة أنها لن تتخلى عن الجولان الذي تراه ضرورة استراتيجية لأمنها، رغم الرفض الدولي الواسع لقرار ضمه الصادر عام 1981 والذي اعتُبر لاغيًا وباطلًا بموجب قرارات الأمم المتحدة. حسب روسيا اليوم.
أهمية الجولان في ظل التوترات الإقليمية
وفي تطور دبلوماسي، وجهت سوريا الشكرها للدول التي صوّتت لصالح قرار «الجولان السوري» الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد أن ارتفع عدد الدول المؤيدة من 97 إلى 123 دولة، في مؤشر تراه دمشق تأكيدًا على اتساع الدعم العالمي لموقفها الثابت بشأن السيادة على الجولان المحتل.
وبحسب بيان صادر عن الخارجية السورية، تعتبر دمشق أن هذا التقدم في الأصوات يعكس ازدياد القناعة الدولية بعدالة موقفها، ورفض المجتمع الدولي للإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض الأمر الواقع على الهضبة المحتلة منذ عام 1967. وأكدت أن تمسك دمشق بخيار السلام لا يعني في أي مرحلة التراجع عن حقها التاريخي في الجولان، مشددة على أن الانخراط في محادثات سياسية جادة لا يمكن أن يكون على حساب السيادة أو الأرض.
ويأتي هذا التباين في المواقف في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل الملفات الأمنية من سوريا إلى جنوب لبنان، ما يمنح الجولان أهمية مضاعفة في حسابات الجانبين. وبينما تواصل دمشق التأكيد على أن السلام العادل والشامل يبدأ بإنهاء الاحتلال، تصر تل أبيب على ربط أي تغيّر في ملف الجولان بتحولات كبرى في البيئة الإقليمية والدولية.
منطق القوة والشرعية الدولية
ومع ارتفاع مستوى التأييد للقرار الأممي، ترى سوريا أن المشهد الدولي بات أكثر انسجامًا مع مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد عدم مشروعية الاحتلال ورفض الاستيطان في الهضبة. في المقابل، تتعامل إسرائيل مع هذه القرارات بوصفها غير ملزمة، مستمرة في تعزيز وجودها العسكري والاستيطاني داخل الجولان.
وبين الموقفين، يظل الجولان واحدًا من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط، وعنوانًا للصراع المستمر بين منطق القوة ومنطق الشرعية الدولية، في وقت ينتظر فيه الإقليم انفراجات توقف دائرة التوتر وتعيد فتح مسارات الحلول السياسية.
استعداد مشروط لفتح مسار تفاوضي
في المقابل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن ما تتوقعه إسرائيل من الجانب السوري هو إقامة منطقة منزوعة السلاح تمتد من العاصمة دمشق وحتى المنطقة العازلة في الجولان. وأضاف أن “التوجه الإيجابي، وبفهم هذه المبادئ، يمكن أن يقود إلى التوصل لاتفاق مع السوريين”، في تلميح إلى استعداد مشروط لفتح مسار تفاوضي إذا ما تم الالتزام بالمطالب الأمنية الإسرائيلية.
يأتي تصريح نتنياهو في سياق تصعيد إسرائيلي مستمر في جنوب سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، حيث سيطرت القوات الإسرائيلية على المنطقة العازلة في الجولان، وهي منطقة خالية من السلاح بموجب اتفاق فصل القوات لعام 1974.
الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، حذّر في منشور عبر منصة “تروث سوشال”، الحكومة الإسرائيلية من اتخاذ أي إجراءات قد تعيق مسار الانتقال السياسي في سوريا. وأكد أنه من “المهم للغاية” أن تحافظ إسرائيل على “حوار قوي وحقيقي” مع سوريا، مشددا على أن “لا شيء يجب أن يحدث بما يعرقل تحول سوريا إلى دولة مزدهرة”.
واعتبر ترامب أن سوريا وإسرائيل “ستكون لهما علاقة طويلة ومزدهرة معا ممكنة من خلال هذا الحوار القوي والحقيقي”، في إشارة إلى جهود الإدارة الأميركية لتسهيل اتفاق بين الجانبين.
إلغاء اتفاق فض الاشتباك
غرقت سوريا فى حرب أهلية طاحنة منذ مارس 2011 انتهت بسقوط نظام الأسد فى 8 ديسمير الماضى على يد «هيئة تحرير الشام» التى كانت فى السابق جبهة النصرة، وقبلها تنظيم القاعدة بزعامة «أبومحمد الجولانى»، وللمصادفة الصادمة هنا أن لقبه الجولانى، واسمه الأصلى أحمد الشرع.
الهيئة وصلت للسلطة بدعم كامل من تركيا والولايات المتحدة، وفى اليوم التالى لسقوط الأسد ألغت إسرائيل اتفاق فض الاشتباك، وشنت اعتداءات متتالية، وسيطرت على قمة جيل الشيخ الاستراتيجى والعديد من الأراضى السورية حتى صارت على بعد أقل من عشرين كيلومترًا من العاصمة دمشق.
تاريخيا، احتلت إسرائيل الجولان فى عدوانها الشامل على المنطقة فى 5 يونيو 1967، ولم تستطع القوات السورية تحريرها فى حرب أكتوبر 1973، ووقع الجانبان اتفاقية فض الاشتباك فى عام 1974، ثم قررت إسرائيل ضم الهضبة إلى سيادتها فى عام 1981، وهو قرار لم تعترف به إلا الولايات المتحدة قبل سنوات قليلة.






