مع تعثر الاتصالات بين واشنطن وطهران، تتسع دائرة المخاطر المرتبطة بالحرب، بعدما أفادت تقارير بأن إيران بحثت استهداف مواقع عسكرية أميركية في جنوب وجنوب شرق أوروبا في حال قررت الولايات المتحدة تصعيد عملياتها. وحلف شمال الأطلسي يعلن استعداده للدفاع عن أعضائه، ما يثير مخاوف من انتقال المواجهة من الشرق الأوسط إلى الأراضي الأوروبية.
لم تعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة محصورة في الخليج والشرق الأوسط. فمع تعثر المسار الدبلوماسي وعودة لغة التهديد إلى الواجهة، بدأت تظهر مؤشرات على احتمال اتساع نطاق المواجهة إلى أوروبا، حيث توجد قواعد ومنشآت عسكرية أميركية يمكن أن تصبح أهدافا في حال قررت طهران الرد على أي تصعيد أميركي بضربات بعيدة المدى.
وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، بحثت إيران خيارات لاستهداف مواقع عسكرية أميركية في جنوب وجنوب شرق أوروبا، من بينها مواقع في بلغاريا وقبرص، في حال استأنفت واشنطن هجومها على إيران. كما تدرس طهران، وفقا للتقرير، خيارات أخرى تشمل استهداف بنية تحتية بحرية حيوية في منطقة مضيق هرمز.
الناتو يرفع مستوى التحذير
وجاء الرد من حلف شمال الأطلسي سريعا.
وقال مسؤول في الحلف، الأربعاء، إن الناتو “مستعد لمواجهة أي تهديد”، مؤكدا أن الحلف سيفعل ما يلزم للدفاع عن جميع أعضائه. واستند المسؤول إلى وقائع سابقة هذا العام، عندما اعترضت دفاعات الناتو صواريخ باليستية إيرانية كانت متجهة نحو تركيا في أربع مناسبات.
وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة، لأن أي ضربة إيرانية على منشأة أميركية داخل أراضي دولة عضو في الناتو قد تحول طبيعة الصراع من مواجهة بين واشنطن وطهران إلى أزمة تمس أمن الحلف مباشرة.
وكان قادة الناتو قد أكدوا في قمة أنقرة في يوليو/تموز التزامهم بالدفاع الجماعي، كما دعوا إيران إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز.
هل تستطيع إيران ضرب أوروبا؟
من الناحية العسكرية، تمتلك إيران صواريخ باليستية متوسطة المدى يمكنها الوصول إلى أجزاء من جنوب وجنوب شرق أوروبا.
لكن امتلاك القدرة على الوصول لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة وواسعة النطاق.
فكلما زادت المسافة، ازدادت صعوبة إصابة الأهداف بدقة، كما تصبح الصواريخ أكثر عرضة للاعتراض، في وقت تمتلك فيه دول الناتو منظومات دفاع جوي وصاروخي متقدمة.
ومع ذلك، فإن طهران أثبتت خلال الأشهر الماضية أنها تحاول توسيع مدى عملياتها.
تركيا.. الاختبار الأقرب
في مارس/آذار الماضي، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن صاروخا باليستيا أطلق من إيران ودخل المجال الجوي التركي جرى اعتراضه بواسطة منظومات دفاع جوي وصاروخي تابعة للناتو في شرق المتوسط.
ولم يكن ذلك حادثا معزولا، إذ أشار الناتو لاحقا إلى اعتراض أربعة صواريخ باليستية إيرانية كانت متجهة نحو تركيا خلال العام الحالي.
وتكشف هذه الوقائع أن الصراع بات قادرا على الاقتراب من أراضي الحلفاء الأوروبيين، حتى من دون أن تتخذ إيران قرارا مباشرا بفتح جبهة ضد أوروبا.
من الشرق الأوسط إلى أوروبا
وتكمن خطورة السيناريو في أن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى مهاجمة دولة أوروبية بصورة مباشرة حتى توسع نطاق الحرب.
فوجود قواعد أميركية في دول أوروبية يجعل بعض هذه المنشآت امتدادا للبنية العسكرية الأميركية، وبالتالي يمكن أن تنظر إليها طهران باعتبارها أهدافا محتملة إذا قررت واشنطن توجيه ضربات جديدة ضدها.
وتشير التقارير إلى أن طهران درست بالفعل هذا الخيار، لكن ذلك لا يعني أن قرارا نهائيا اتخذ بتنفيذه.
وهنا تبرز معضلة إيران: ضربة محدودة قد تحقق هدف الردع، لكنها قد تفتح في المقابل مواجهة أوسع مع دول الناتو.
خيارات أخرى أقل مخاطرة
لهذا السبب، قد تلجأ طهران إلى خيارات أخرى لا تتطلب مواجهة مباشرة مع أوروبا.
إيران تمتلك شبكة من الجماعات المسلحة المتحالفة معها في العراق ولبنان واليمن، ويمكن استخدام هذه الشبكات لاستهداف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة، بما يرفع تكلفة الحرب على واشنطن دون دفع الناتو مباشرة إلى المواجهة.
كما أن البنية التحتية البحرية في الخليج تمثل جبهة أخرى محتملة، خصوصا في مضيق هرمز، حيث تشير التقارير إلى دراسة استهداف كابلات الاتصالات البحرية، وهي بنية حيوية لحركة البيانات والاتصالات الدولية.
وبذلك، قد لا تكون المعركة المقبلة بالضرورة حرب صواريخ بعيدة المدى، وإنما حربا متعددة الجبهات تشمل القواعد العسكرية والملاحة والطاقة والبنية التحتية.
أوروبا أمام اختبار صعب
حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على أن إيران قررت مهاجمة أهداف داخل أوروبا.
لكن إدخال المنشآت العسكرية الأميركية في القارة ضمن حسابات الردع الإيرانية يمثل تطورا لافتا، خصوصا في ظل إعلان الناتو أنه مستعد للدفاع عن جميع أعضائه.
فأوروبا كانت حتى الآن تتعامل مع الحرب الإيرانية باعتبارها أزمة ذات تداعيات على الطاقة والتجارة والأمن والهجرة.
أما إذا وقعت ضربة إيرانية داخل أراضي دولة عضو في الحلف، فقد يتغير المشهد بالكامل.
عندها لن يكون السؤال فقط عن كيفية رد الولايات المتحدة، وإنما عن حدود الرد الجماعي للناتو، وما إذا كانت الحرب التي بدأت في الشرق الأوسط ستتحول إلى مواجهة أوسع تمتد إلى الأراضي الأوروبية.
بين التهديد والحرب المفتوحة
تبدو طهران أمام معادلة دقيقة: تريد رفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة ومنع تكرار الهجمات عليها، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن استهداف قواعد أميركية داخل أوروبا قد يمنح واشنطن وحلفاءها مبررا لتوسيع العمليات العسكرية ضدها.
أما واشنطن، فتواجه معادلة معاكسة: الضغط على إيران دون دفعها إلى توسيع نطاق الحرب.
وبين الحسابين، يبقى مضيق هرمز نقطة الاحتكاك الأساسية، فيما بدأت دائرة المواجهة تمتد تدريجيا إلى مناطق أبعد.
وإذا كان مجرد التهديد باستهداف القواعد الأميركية في أوروبا كافيا لدفع الناتو إلى إعلان استعداده للرد، فإن تنفيذ ضربة فعلية قد يكون اللحظة التي تنتقل فيها الحرب الإيرانية من صراع إقليمي إلى أزمة أمنية أوروبية مباشرة.






