يُعيد التصعيد العسكري المتسارع في الساحل الغربي والجبهات الشرقية للشرعية فرض تساؤلات جوهرية حول إمكانية كسر حالة الجمود الاستراتيجي التي كبلت الملف اليمني لسنوات. وفي حين تُشكل التحركات الأخيرة قرب المخا واليتيمة بالجوف خرقاً ميدانياً أربك خطوط إمداد الحوثيين، فإن الرهان على تحويل هذه المكاسب الموضعية إلى نقطة تحول نفاذة نحو صنعاء يظل مكبلاً بعقدتين رئيسيتين: غياب غرفة العمليات الموحدة، والخشية من كبح التدخلات الدولية للزخم الميداني قبل اكتمال شروط التفاوض المتكافئ.
المكاسب التكتيكية ومأزق «الرئة البحرية»
تكتيك الإحاطة وقطع الأوردة: أحدثت عمليات الالتفاف النوعية بمشاركة “ألوية العمالقة” إرباكاً في هيكل القيادة والسيطرة الحوثي، مما أسفر عن محاصرة تجمعات ونخبة قوات الجماعة في مناطق الكدحة وراسن بالحجرية وقطع اتصالها بالمنافذ البحرية.
المخا مقابل الحديدة: رغم أهمية التقدم نحو المخا لتأمين شريط الملاحة، تظل مدينة الحديدة هي “الرئة الحقيقية” التي يتنفس منها المشروع الحوثي تسليحاً وتمويلاً، مما يجعل الاكتفاء بانتصارات الساحل الجنوبي مجرد احتواء موقت لا يُغير ميزان القوة الشامل.
مخاطر العودة لنقطة الصفر: يحذر الفاعلون الميدانيون من أن الاكتفاء بتثبيت المواقع وإعادة التمركز دون ملاحقة القوات المنسحبة سيوفر للجماعة فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تعبئة صفوفها عبر الطائرات المسيرة والقصف الصاروخي.
عقدة القيادة والتضاريس وفخ 2018
تشرذم القرار العسكري: تبرز الهيكلية المتشظية للقوات المناهضة للحوثيين كأكبر ثغرة استراتيجية؛ حيث يحول غياب القيادة الموحدة ودون تنسيق الجبهات في الضالع والبيضاء ومأرب لمنع تركيز الضغط الحوثي على محور واحد.
تحدي المسيّرات والجغرافيا: تواجه القوات المتقدمة صعوبة التعامل مع الكثافة العالية للمسيّرات الانقضارية الحوثية والتضاريس الجبلية المعقدة، ما يفرض الحاجة لإسناد جوي ومروحي مكثف (أباتشي) لتأمين القوات البرية المتحركة.
شبح اتفاقات التهدئة: تُعيد المخاوف الميدانية إلى الأذهان سيناريو معركة الحديدة عام 2018، حيث يُخشى أن تسفر الضغوط الدولية والسياسية عن إيقاف العمليات في منتصف الطريق فرضاً لمهادنة جديدة تُبقي الجماعة كقوة أمر واقع.
حسابات طهران والفرصة الأخيرة للمفاوضات
الامتداد الإقليمي للجبهة: يُوظف الحوثيون الموقع الميداني في اليمن كـ “رأس حربة” إقليمي مرتبط بالتوجيه والتخطيط المباشر لـ “فيلق القدس” الإيراني، مما يجعل معركة صنعاء بالنسبة لطهران خط دفاع غير قابل للتفريط بسهولة.
انتزاع شروط التفاوض: تسعى القوات الحكومية عبر الضغط الميداني المكثف إلى إجبار الحوثيين على الجلوس إلى طاولة الحوار بشروط تضمن استعادة الدولة، بدلاً من الدخول في مسار سياسي يكرس الهيمنة الحوثية فرضاً بقوة السلاح.
معادلة الوقت والزخم: تُصنف التطورات الحالية كـ “الفرصة الأخيرة” للقوى الوطنية؛ فإما إدامة الزخم الميداني وتوسيع جبهات النفير لتغيير الخريطة السياسية، أو الانكفاء نحو الدفاع والتسليم بواقع الانقسام الدائم.






