تتجه الأنظار إلى سويسرا حيث من المنتظر أن تشهد الأيام المقبلة توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء المواجهة التي تصاعدت خلال الأشهر الماضية. لكن اللافت في التصريحات الإيرانية الأخيرة هو إصرار طهران على أن الاتفاق لا يقتصر على العلاقات الثنائية مع واشنطن، بل يمتد ليشمل ملفات إقليمية أخرى، وعلى رأسها الحرب الدائرة في لبنان.
ففي سلسلة من التصريحات المتتالية، أكد مسؤولون إيرانيون أن وقف العمليات العسكرية في لبنان يمثل جزءاً أساسياً من التفاهمات التي تم التوصل إليها، ما يعكس رؤية إيرانية تعتبر أن مسارات الصراع في المنطقة مترابطة وليست منفصلة عن بعضها البعض.
لبنان في قلب التفاهمات
قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إنهاء الحرب في لبنان يعد “شرطاً مسبقاً” لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكداً أن المسارين اللبناني والإيراني مترابطان بصورة مباشرة.
وتكشف هذه التصريحات عن محاولة إيرانية لتوسيع نطاق الاتفاق بحيث لا يقتصر على وقف المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، بل يشمل أيضاً معالجة الملفات الإقليمية المرتبطة بالنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
وتشير التصريحات الرسمية الإيرانية إلى أن الهدنة في لبنان لا تُنظر إليها باعتبارها بنداً منفصلاً، وإنما جزء من ترتيبات أمنية وسياسية أوسع تهدف إلى تثبيت الاستقرار على عدة جبهات في وقت واحد.
لماذا تصر إيران على إدراج لبنان؟
يعود الإصرار الإيراني إلى عدة اعتبارات استراتيجية. فمن وجهة نظر طهران، لا يمكن فصل أمنها القومي عن حلفائها الإقليميين، خصوصاً في الساحات التي شهدت خلال السنوات الأخيرة مواجهات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل.
ولهذا السبب تؤكد إيران أن أي اتفاق طويل الأمد يجب أن يتضمن ضمانات تتعلق بلبنان، وهو ما ظهر في تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي الذي اعتبر أن الأمن اللبناني عنصر أساسي في أي تسوية دائمة.
ويعكس هذا الموقف أيضاً رغبة إيرانية في تحويل الاتفاق المرتقب من مجرد وقف لإطلاق النار إلى إطار أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بعد مرحلة من التصعيد العسكري غير المسبوق.
مرحلتان للمفاوضات
بحسب عراقجي، ستنقسم المحادثات المقبلة إلى مرحلتين رئيسيتين.
المرحلة الأولى ستركز على الملفات العاجلة المرتبطة بالأمن البحري ومضيق هرمز ورفع القيود البحرية وإعادة إعمار البنية التحتية الإيرانية المتضررة من الحرب.
أما المرحلة الثانية فستتناول الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية الأمريكية، وهي قضايا ظلت لعقود محور الخلاف الرئيسي بين الجانبين.
ويشير هذا التقسيم إلى أن الطرفين يسعيان أولاً إلى تثبيت التهدئة ومنع عودة المواجهة العسكرية قبل الانتقال إلى الملفات السياسية والاستراتيجية الأكثر حساسية.
وساطة إقليمية ودولية
برزت باكستان كوسيط رئيسي في التفاهمات الأخيرة، حيث أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف التوصل إلى اتفاق سلام يشمل وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما في ذلك لبنان.
كما أشار شريف إلى مساهمة كل من قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا في جهود الوساطة، وهو ما يعكس وجود تحرك دبلوماسي متعدد الأطراف لتثبيت الاتفاق وتوفير ضمانات سياسية له.
وتؤكد التصريحات الإيرانية اللاحقة أن نص مذكرة التفاهم قد تم الانتهاء منه بالفعل، وأن مراسم التوقيع الرسمية يفترض أن تجري في سويسرا خلال الأيام المقبلة.
اعتراضات إسرائيلية مبكرة
في المقابل، لم يحظ الاتفاق بإجماع داخل إسرائيل. فقد انتقد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش التفاهمات المعلنة، معتبرين أن إنهاء العمليات العسكرية في لبنان في هذه المرحلة قد يحول دون تحقيق الأهداف التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية ضد حزب الله.
وتكشف هذه المواقف عن وجود انقسام داخل المعسكر الإسرائيلي بين من يرى أن التهدئة تمثل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الأمنية، وبين من يعتقد أن استمرار الضغط العسكري هو الخيار الأفضل لتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.
اتفاق يتجاوز إيران والولايات المتحدة
رغم أن الاتفاق يوصف رسمياً بأنه تفاهم بين واشنطن وطهران، فإن مضمون التصريحات الصادرة من مختلف الأطراف يشير إلى أن تداعياته تتجاوز العلاقة الثنائية بين البلدين.
فإيران تحاول ربط نجاح الاتفاق بإنهاء الحرب في لبنان، بينما تنظر أطراف إقليمية عدة إلى التفاهم باعتباره مدخلاً لإعادة رسم المشهد الأمني في الشرق الأوسط. ولهذا فإن نجاح الاتفاق أو تعثره لن يقاس فقط بمدى التزام الولايات المتحدة وإيران ببنوده، بل أيضاً بقدرته على الصمود أمام التعقيدات الميدانية والسياسية التي لا تزال تحكم ملفات المنطقة الأكثر اشتعالاً.




