عاد مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إلى واجهة التوترات الإقليمية والدولية مجددًا، بعد تحذيرات أطلقها الحرس الثوري الإيراني أكد خلالها أن عبور السفن عبر المضيق يجب أن يتم وفق المسار الذي حددته طهران وبالحصول على إذن مسبق، ملوحًا باتخاذ “إجراءات مناسبة” ضد أي سفينة تخالف تلك التعليمات.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة مرحلة حساسة عقب توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء التصعيد العسكري الذي شهدته الأشهر الماضية، وسط استمرار الخلافات بشأن مستقبل إدارة الملاحة في المضيق الذي يعد شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز العالمية.
تحذيرات إيرانية ورسائل مباشرة للمجتمع الدولي
وفي بيان رسمي، شدد الحرس الثوري الإيراني على أن المسار الوحيد المسموح به لعبور السفن في مضيق هرمز هو ذلك الذي أعلنته الجمهورية الإسلامية، معتبرًا أن أي محاولة للعبور خارج هذا الإطار تمثل تصرفًا غير مقبول وينطوي على مخاطر أمنية.
وأكد البيان أن السلطات الإيرانية ستتعامل مع أي مخالفات وفق ما وصفه بـ”الإجراءات المناسبة”، في رسالة اعتبرها مراقبون محاولة لإعادة تأكيد النفوذ الإيراني على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وتعكس هذه التصريحات تمسك طهران بدور أكبر في تنظيم حركة الملاحة داخل المضيق، رغم الضغوط الدولية التي تدعو إلى ضمان حرية المرور البحري دون قيود أو رسوم إضافية.
هرمز.. عقدة الصراع بين طهران وواشنطن
لا يزال مستقبل مضيق هرمز يمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف بين إيران والولايات المتحدة، حتى بعد توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة بين الجانبين في يونيو الجاري.
فالمضيق الذي شهد توترات متكررة خلال السنوات الماضية تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها طهران في مواجهة الغرب، خاصة أنه يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط القادمة من دول الخليج إلى الأسواق العالمية.
ويرى خبراء أن أي تغيير في قواعد الملاحة أو فرض قيود جديدة على السفن العابرة قد يؤدي إلى توترات دبماسية واقتصادية واسعة، خصوصًا في ظل الاعتماد العالمي الكبير على إمدادات الطاقة القادمة من المنطقة.
اتفاق إيراني – عُماني لإدارة الملاحة
وفي تطور لافت، أعلنت إيران وسلطنة عمان خلال الأيام الماضية العمل على التوصل إلى اتفاق مشترك ينظم الإدارة المستقبلية للملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب الخدمات البحرية والتكاليف المرتبطة بحركة السفن.
ويعكس هذا التوجه رغبة البلدين المطلتين على المضيق في تعزيز التنسيق المشترك بشأن إدارة أحد أهم الممرات البحرية الدولية، إلا أن هذه الخطوة أثارت تساؤلات بشأن مدى توافقها مع المبادئ الدولية الخاصة بحرية الملاحة.
ويرى متابعون أن أي ترتيبات جديدة قد تواجه تدقيقًا دوليًا واسعًا، خاصة إذا تضمنت فرض رسوم أو قيود إضافية على السفن التجارية العابرة.
واشنطن ترفض فرض رسوم على السفن
وفي المقابل، جددت الولايات المتحدة موقفها الرافض لأي محاولات لفرض رسوم أو قيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدة أن الممر المائي يجب أن يظل مفتوحًا أمام التجارة الدولية وفق القوانين والأعراف البحرية المعمول بها عالميًا.
وتعتبر واشنطن أن حرية الملاحة في المضيق تمثل مصلحة دولية مشتركة، وأن أي إجراءات أحادية قد تؤثر على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ويأتي الموقف الأمريكي متسقًا مع بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين، والتي تضمنت السماح بمرور السفن عبر المضيق دون فرض رسوم خلال فترة التفاوض المحددة.
ماذا تنص مذكرة التفاهم الأخيرة؟
كانت إيران والولايات المتحدة قد وقعتا في 17 يونيو الجاري مذكرة تفاهم تهدف إلى احتواء التوترات وتهيئة الأجواء لمفاوضات أوسع بشأن القضايا الخلافية بين الجانبين.
ونصت المذكرة على ضمان استمرار مرور السفن عبر مضيق هرمز دون رسوم إضافية أو عوائق خلال فترة تمتد إلى 60 يومًا، وهي المهلة المخصصة لإجراء مفاوضات مكثفة للوصول إلى اتفاق نهائي يعالج الملفات العالقة.
إلا أن التصريحات الأخيرة للحرس الثوري أعادت طرح تساؤلات حول مدى التزام جميع المؤسسات الإيرانية بروح الاتفاق، وحول إمكانية ظهور خلافات جديدة قد تعرقل مسار التفاهمات الجارية.
أسواق الطاقة تراقب بحذر
وتتابع أسواق النفط والغاز العالمية التطورات في مضيق هرمز بحذر شديد، نظرًا لأن أي اضطراب في حركة الملاحة قد ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والشحن البحري.
ويحذر محللون من أن استمرار التصعيد السياسي أو الأمني حول المضيق قد يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مضيق هرمز محورًا رئيسيًا للصراع الدبلوماسي بين القوى الإقليمية والدولية، فيما تترقب العواصم الكبرى ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية خلال الأسابيع المقبلة، وما إذا كانت ستنجح في تثبيت قواعد جديدة للاستقرار أم تعيد المنطقة إلى دائرة التوتر من جديد.




