تشهد المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما ربطت طهران عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى منشآتها النووية بالتوصل إلى اتفاق نهائي وشامل مع واشنطن، يتضمن معالجة ملف العقوبات وتنفيذ التزامات متبادلة، في خطوة تعكس استمرار التباعد بين الطرفين رغم المؤشرات المتزايدة على استئناف المسار التفاوضي.
ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإعادة تفعيل آليات الرقابة النووية، وسط مخاوف من اتساع فجوة الثقة بشأن طبيعة الأنشطة النووية الإيرانية ومستقبل التفاهمات المتعلقة بالبرنامج النووي.
غروسي: عمليات التفتيش ستتم «لا محالة»
أكد المدير العام لـ الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن عمليات التفتيش داخل المنشآت النووية الإيرانية ستُستأنف في نهاية المطاف، مشيراً إلى أن الأمر يتوقف حالياً على استكمال الترتيبات والإجراءات التنفيذية اللازمة.
وتعكس تصريحات غروسي حرص الوكالة على استعادة دورها الرقابي في أقرب وقت ممكن، باعتبار أن عمليات التفتيش تمثل الركيزة الأساسية للتحقق من الالتزام بالمعايير الدولية الخاصة بالأنشطة النووية السلمية.
وفي المقابل، بدا الموقف الإيراني أكثر تشدداً، إذ أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، أن بلاده لا تمتلك حالياً أي خطة للسماح بعودة المفتشين إلى منشآتها النووية.
وأوضح المسؤول الإيراني أن ملف التفتيش لن يكون مطروحاً للنقاش إلا ضمن إطار اتفاق نهائي متكامل مع الولايات المتحدة، وبعد اتخاذ خطوات عملية لإنهاء العقوبات المفروضة على إيران، ما يعكس تمسك طهران بمبدأ الربط بين الملفات السياسية والاقتصادية والرقابية في أي تفاهم مستقبلي.
ترمب يتحدث عن اتفاق للتفتيش النووي
على الجانب الأميركي، أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفاؤلاً بشأن مسار المحادثات، مؤكداً أن إيران وافقت بالفعل على إجراء عمليات التفتيش النووي.
وفي تصريحات لقناة “فوكس نيوز”، أشار ترمب إلى احتمال مشاركة خبراء ومفتشين أميركيين إلى جانب فرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عمليات تفقد المنشآت الإيرانية، في إشارة تعكس رغبة واشنطن في الحصول على ضمانات إضافية بشأن الأنشطة النووية الإيرانية.
ويرى مراقبون أن إشراك خبراء أميركيين قد يثير تحفظات إيرانية واسعة، نظراً لحساسية الملف النووي واعتبارات السيادة والأمن القومي التي تضعها طهران في مقدمة أولوياتها.
مضيق هرمز يعود إلى قلب المفاوضات
ولم يقتصر الحديث الأميركي على الملف النووي فقط، بل امتد إلى قضية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
وقال ترمب إن إيران أبلغت واشنطن بأنها لا تعتزم فرض رسوم أو قيود على السفن العابرة للمضيق، مؤكداً أن أي تراجع عن هذا الالتزام سيؤدي إلى إنهاء المفاوضات بشكل فوري.
وتعكس هذه التصريحات الأهمية الاستراتيجية للمضيق بالنسبة للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية، ما يجعل أي توتر فيه محل متابعة دقيقة من الأسواق والحكومات على حد سواء.
وفي المقابل، تبنى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خطاباً مختلفاً، معتبراً أن التفاهم الذي جرى التوصل إليه يمثل فشلاً وإقراراً بهزيمة السياسة الأميركية.
وخلال مشاركته في اجتماع اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بالعاصمة الأذربيجانية باكو، أكد قاليباف أن التطورات الأخيرة تعكس صمود إيران في مواجهة الضغوط الغربية.
كما شدد على أن إنهاء الحرب في لبنان يمثل أولوية لا تقل أهمية بالنسبة لطهران عن إنهاء الحرب التي تعرضت لها إيران، في إشارة إلى الترابط الذي تنظر به القيادة الإيرانية إلى ملفات الأمن الإقليمي.
باكستان تستعد لجولة جديدة من المحادثات
وفي تطور موازٍ، أعلنت باكستان أن المحادثات الفنية المرتبطة بالمفاوضات ستُستأنف الأسبوع المقبل، بهدف استكمال النقاشات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وآليات ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وتُعد هذه الجولة المرتقبة اختباراً جديداً لقدرة الأطراف المعنية على تجاوز الخلافات العالقة، خصوصاً في ظل التباين الواضح بين الرؤية الإيرانية التي تربط جميع الملفات باتفاق شامل، والموقف الأميركي الذي يسعى إلى تحقيق تقدم تدريجي في القضايا الأكثر إلحاحاً.
مفاوضات معقدة بين التفتيش والعقوبات
وتكشف التطورات الأخيرة أن الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال مليئاً بالتحديات، إذ تتمسك إيران بالحصول على ضمانات اقتصادية ورفع العقوبات قبل فتح منشآتها أمام المفتشين، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز الرقابة الدولية وضمان أمن الملاحة في المنطقة.
وبين هذين الموقفين، تبقى المفاوضات النووية أمام اختبار حقيقي خلال الأسابيع المقبلة، وسط ترقب دولي لما إذا كانت الجهود الدبلوماسية ستنجح في تحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاق دائم يخفف التوتر في المنطقة ويحافظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية.




