في خضم الكارثة الإنسانية المستمرة في قطاع غزة، تسلط الحكومة الفلسطينية الضوء على واحدة من أكثر الأزمات إلحاحًا وخطورة: استخدام الجوع كسلاح ضد السكان المدنيين. النداء العاجل الذي وجهته الحكومة إلى المجتمع الدولي لا يأتي في فراغ، بل يستند إلى وقائع ميدانية موثقة وتقارير أممية تؤكد بلوغ مستويات انعدام الأمن الغذائي 100%، في مشهد يقترب من حافة المجاعة الكاملة، ويكشف عن فشل المنظومة الإنسانية في حماية ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع المنكوب.
جريمة مكتملة الأركان
إن استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال المساعدات، رغم التكدس الهائل للشاحنات في محيط غزة، لا يشي فقط بإخفاق إداري أو عسكري من الجانب الإسرائيلي، بل يبدو أقرب إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني من الداخل، ودفعه نحو الانهيار الكامل. فحين تُستخدم المعابر كأداة حصار، وحين يُمنع الغذاء والدواء عن أكثر من مليوني إنسان تحت ذرائع أمنية، فإن ذلك يتجاوز الاعتبارات العسكرية ليشكل جريمة مكتملة الأركان في القانون الدولي الإنساني.
كما أن إشادة الحكومة بالتنسيق الأردني الإماراتي الفرنسي الإسباني الألماني في عمليات إسقاط المساعدات جواً، تكشف عن تحول نوعي في أنماط الإغاثة، يعكس حجم الانسداد السياسي والإنساني في وجه قوافل البر. ولكن هذا الخيار، رغم أهميته الرمزية والطارئة، لا يمكن أن يكون بديلاً فعّالًا عن فتح المعابر البرية التي تتيح إدخال المساعدات بكميات منتظمة وبكفاءة أعلى، وخاصة في ظل تصاعد الكثافة السكانية في مناطق النزوح المؤقتة، والانهيار شبه الكامل للبنى التحتية.
مسؤولية أخلاقية مضاعفة
التقدير الحكومي للمنظمات الدولية يعكس إدراكًا لأهمية الشركاء الدوليين، لكنه في الوقت ذاته يحمّلهم مسؤولية أخلاقية مضاعفة، لا سيما في ظل العجز عن إرغام الاحتلال على الالتزام بالقانون الدولي. فالمساعدات الإنسانية لا يجب أن تبقى مرهونة بمزاجية سياسية أو بتوازنات الحرب، بل ينبغي أن تُحمى بقوة القانون، وتُفرض إنسانيًا كحق لا كمنحة.
المشهد في غزة إذن لا يحتاج فقط إلى تضامن دولي في سياق الإغاثة، بل إلى تدخل سياسي جاد يوقف المجزرة الصامتة التي تمضي بالتوازي مع المجازر العسكرية. والمطلوب اليوم ليس فقط إلقاء المساعدات من الجو، بل ممارسة ضغط دبلوماسي متصاعد يضع حدًا لاستخدام الغذاء كسلاح إبادة، ويعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني الذي لم يعد يملك سوى الهواء – وحتى هذا مهدد – في مواجهة آلة الحرب والموت البطيء.






