كلف مجلس الوزراء اللبناني، في جلسته التي عُقدت أمس الثلاثاء برئاسة الرئيس جوزيف عون في قصر بعبدا، الجيش اللبناني بوضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة، على أن يتم عرضها على المجلس لمناقشتها وإقرارها في موعد أقصاه نهاية شهر أغسطس الجاري.
القرار، الذي وُصف بأنه “خطوة نحو استعادة السيادة الأمنية”، يأتي وسط تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية لضبط الوضع الأمني في لبنان، وفرض تطبيق فعلي للقرار الدولي 1701، في ظل التوترات المستمرة جنوب البلاد، والانقسامات السياسية الداخلية.
ورقة أميركية ولبنانية معدّلة
تناول المجلس في الجلسة أيضًا ورقة المقترحات الأميركية المطروحة بهدف “إنهاء الأعمال العدائية” في الجنوب، والتي تطرح مسارًا دبلوماسيًا بديلاً للتصعيد بين “حزب الله” وإسرائيل. وأوضح رئيس الوزراء نواف سلام أن الورقة الأميركية شهدت تعديلات لبنانية، عُرضت خلال اللقاء، مع التمسك بالثوابت الوطنية.
وأكد سلام أن “الهدف من الورقة والخطة الأمنية ليس إلغاء أي مكون لبناني، بل تنظيم السلاح ضمن مؤسسات الدولة، حفاظًا على الاستقرار وتماسك السيادة”.
انسحاب وزيري “أمل” و”حزب الله”
غير أن القرار لم يمر بهدوء داخل الجلسة، إذ انسحب وزيرا “حركة أمل” و”حزب الله”، الدكتور ركان ناصر الدين والدكتورة تمارا الزين، احتجاجًا على استكمال النقاش والتصويت على بند “الخطة الزمنية” دون توافق وطني مسبق.
وقال مصدر وزاري إن “الانسحاب جاء اعتراضًا على محاولة فرض جدول زمني لحصر السلاح، دون أخذ موقف المقاومة بعين الاعتبار، واعتباره شأنًا سياديًا وليس تفاوضيًا”.
يأتي ذلك فيما أكّد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، في تصريحات سابقة، أن “أي محاولة لتحديد جدول زمني لحصرية السلاح في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي، مرفوضة جملة وتفصيلًا”.
خطة الجيش قبل نهاية أغسطس
بموجب القرار الصادر، سيقوم الجيش اللبناني بوضع خطة متكاملة لحصر السلاح بيد الدولة، تشمل آليات التنفيذ، وتحديد المناطق ذات الأولوية، وجدولة زمنية واضحة، مع مراعاة المعايير السياسية والأمنية.
وقد شدد مجلس الوزراء على ضرورة أن تُعرض الخطة قبل 31 أغسطس الجاري، لتخضع لمراجعة وإقرار من المجلس، تمهيدًا لعرضها أمام الهيئات الدولية.
وأكد مصدر عسكري أن الجيش “سيضع خطة واقعية قابلة للتنفيذ، تستند إلى الدستور اللبناني، وقرارات مجلس الأمن، وبما يحفظ الاستقرار ويمنع الفراغ الأمني”.
توافق على مرجعية “الطائف” والقرار 1701
استند قرار الحكومة إلى اتفاق الطائف، الذي ينص على “بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية”، وإلى البيان الوزاري لحكومة “الإصلاح والإنقاذ”، الذي أكّد التزام لبنان بتنفيذ القرارات الدولية، لا سيما القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006.
ويُعد القرار 1701 المرجعية القانونية الأساسية لضبط الوضع في الجنوب اللبناني، والذي يشترط أن لا يكون هناك أي سلاح أو وجود مسلح خارج سلطات الدولة اللبنانية.
نقاش جديد الخميس المقبل
من المقرر أن تُستكمل مناقشة الورقة الأميركية المعدلة في جلسة الخميس المقبل 7 أغسطس، في ضوء ملاحظات الوفد الوزاري اللبناني، وذلك بالتزامن مع عرض أولي لتوجهات الجيش في خطته المنتظرة.
ويرى مراقبون أن الحكومة اللبنانية “أمام اختبار سياسي حقيقي”، في ظل تمسّك بعض القوى ببقاء السلاح خارج الدولة تحت ذريعة “مقاومة الاحتلال”، مقابل ضغوط محلية ودولية تطالب بسيادة الدولة الكاملة.
تحديات التنفيذ والانقسام الداخلي
رغم الطابع الرسمي للقرار، إلا أن التنفيذ على الأرض يبدو معقدًا، في ظل غياب التوافق السياسي، ورفض حزب الله المبدئي لأي التزام زمني بتسليم السلاح، واعتباره الأمر مرتبطًا بتوازنات إقليمية ودفاعية.
ووفق مصادر مطلعة، فإن الحكومة “تراهن على موقف الجيش كجهة وطنية تحظى بثقة غالبية اللبنانيين، وعلى دعم دولي للخطوة كجزء من مسار إصلاح سياسي – أمني شامل”، في وقت تُبقي فيه القوى السياسية الكبرى مواقفها غير محسومة.
قراءة في الخلفية والرهانات
هذا التحرك الحكومي يُقرأ في سياق أوسع لإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة اللبنانية ومكوناتها الأمنية غير الرسمية. كما أنه يمثل التزامًا إضافيًا أمام المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الراعية للاستقرار في لبنان، مثل الولايات المتحدة وفرنسا.
لكن الرهان الحقيقي يبقى في قدرة الحكومة والجيش على إدارة التوازن الداخلي الحساس، دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية، أو المساس بالاستقرار الهش، خصوصًا في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة.






