يشهد لبنان مرة جديدة فصلاً جديداً من أزماته السياسية المزمنة، بعد انفجار الخلاف داخل مجلس النواب على خلفية رفع رئيس المجلس نبيه بري الجلسة التشريعية لعدم اكتمال النصاب. الحدث، الذي قد يبدو إجرائياً في ظاهره، أعاد إلى الواجهة عمق الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي يعيشه البلد، وأبرز هشاشة النظام التوافقي الذي بات يترنح تحت وطأة الخلافات حول قانون الانتخابات والتمثيل النيابي وتوازن القوى داخل البرلمان.
فغياب النصاب لم يكن مجرد صدفة، بل جاء نتيجة قرار سياسي واضح من كتل نيابية وازنة، في مقدمها «القوات اللبنانية» و«الكتائب» وعدد من النواب المستقلين و«التغييريين»، الذين تعمّدوا عدم دخول القاعة العامة احتجاجاً على رفض بري إدراج اقتراح قانون معجّل مكرّر لتعديل المادتين 112 و122 من قانون الانتخاب. هذه الخطوة، التي تُعد في نظر المقاطعين ممارسة لحق دستوري ووسيلة ضغط مشروعة، اعتبرها الفريق الآخر تعطيلاً متعمداً للجلسة التشريعية وعرقلة لعمل المجلس النيابي. وهنا يتبدّى وجه جديد للأزمة الدستورية المزمنة في لبنان: صراع على تفسير النصوص، وعلى حدود الصلاحيات بين المؤسسات، وعلى من يملك القرار في إدارة العمل البرلماني.
سياسية متغيرة داخل البرلمان
يتضح من مواقف الأطراف أن الخلاف يتجاوز مسألة تقنية مرتبطة بتعديل قانون الانتخابات، ليعكس توازنات سياسية متغيرة داخل البرلمان. فالمعارضة تعتبر أن المجلس النيابي لم يعد ملكاً لأي فريق، وأن الأكثرية الجديدة التي تشكلت بعد الانتخابات الأخيرة تفرض نهجاً مختلفاً في التشريع والرقابة، رافضة ما تصفه بـ«الهيمنة التاريخية» لرئيس المجلس على جدول الأعمال وآلية إدارة الجلسات. في المقابل، يتمسك «الثنائي الشيعي» وحلفاؤه بضرورة احترام القانون النافذ كما هو، من دون فتح باب التعديلات في ظل الظروف السياسية المعقدة، معتبرين أن المطلوب اليوم هو إجراء الانتخابات في موعدها بدل الدخول في جدل قانوني جديد يفتح أبواب التأجيل.
هذا الانقسام كشف عن أزمة ثقة عميقة بين المؤسسات الدستورية، حيث بات البرلمان مرآة واضحة للأزمة السياسية التي تمتد إلى السلطة التنفيذية. فالحكومة بدورها تواجه ضغوطاً متناقضة: من جهة، مطالبة الكتل المعارضة بأن ترسل مشروع قانون لتعديل بعض البنود الملتبسة في قانون الانتخاب، ومن جهة أخرى، تحذيرات من أن أي تعديل في هذا التوقيت قد يُستخدم كذريعة لتأجيل الاستحقاق النيابي أو التلاعب بنتائج الاقتراع. وهكذا يجد لبنان نفسه عالقاً بين تفسيرين متضادين للدستور: أحدهما يطالب بالتصحيح القانوني قبل أي استحقاق، والآخر يدعو إلى الالتزام بما هو نافذ لتجنّب الفراغ والفوضى.
تقويض احتكار القرار البرلماني
على الصعيد الأعمق، تُظهر الأزمة أن لبنان يعيش أزمة نظام لا أزمة قانون فحسب. فغياب آلية واضحة لحسم الخلافات داخل المؤسسات يجعل كل قرار خاضعاً لموازين القوى لا للنصوص الدستورية. والمقاطعة التي لجأت إليها الكتل المعترضة ليست سوى سلاح من أسلحة الصراع السياسي، تُستخدم لتعطيل ما يُعتبر غير مقبول أو لفرض ما يُعتبر ضرورياً، ما يعكس خللاً بنيوياً في الممارسة الديمقراطية التي تحوّلت إلى لعبة تعطيل متبادل أكثر منها تنافساً برلمانياً منتجاً.
في المقابل، يرى المراقبون أن الجدل حول قانون الانتخاب ليس إلا واجهة لمعركة أكبر تتعلق بإدارة مجلس النواب نفسه. فالمعارضة تسعى إلى تقويض احتكار القرار البرلماني الذي راكمه رئيس المجلس على مدى عقود، بينما يسعى بري وحلفاؤه إلى الدفاع عن ما يرونه «ثوابت الميثاقية والتمثيل» التي تحكم التوازن الطائفي والسياسي في البلاد. وبذلك، يتحول النقاش حول بندٍ قانوني إلى اختبار سياسي حول من يملك الإمساك بمفاتيح القرار في الدولة.
وفي ضوء هذا المشهد، يبرز البعد الدستوري كعامل حاسم في تحديد مآلات الأزمة. فالخبراء يشيرون إلى أن المقاطعة لا تُعد خرقاً للنظام الداخلي، بل تعبيراً سياسياً مشروعاً عن موقف، في حين أن الامتناع عن إدراج اقتراحات قوانين مستوفية للشروط على جدول الأعمال يمكن أن يُعد تجاوزاً للصلاحيات. هذه الإشكالية الدستورية تضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد، خصوصاً مع انعدام أي آلية واضحة للمساءلة أو الفصل في النزاعات بين الرئاسات.
الانقسام السياسي والطائفي
إن ما يجري في مجلس النواب ليس سوى انعكاس لتآكل التوافق الوطني الذي قام عليه النظام اللبناني منذ اتفاق الطائف، حيث باتت كل مؤسسة أسيرة الانقسام السياسي والطائفي، وكل استحقاق مناسبة لإعادة اختبار موازين القوى. وبين من يرى في المقاطعة وسيلة ضغط ديمقراطية، ومن يراها تعطيلًا ممنهجًا للمؤسسات، يبقى لبنان عالقاً في دوامة مألوفة من الصراعات التي تمنع الإصلاح الحقيقي وتؤجل الاستحقاقات إلى أجل غير معلوم.
تكشف الأزمة الأخيرة أن الخلاف السياسي في لبنان تجاوز حدود النقاش البرلماني التقليدي، ليصبح معركة حول هوية الدولة وطبيعة الحكم فيها. ومع استمرار غياب التوافق الوطني وتراجع الثقة بين القوى السياسية، يبدو أن كل خطوة تشريعية أو حكومية ستظل محكومة بالتجاذب، ما لم يُفتح حوار جدي يعيد بناء الثقة بين المكونات اللبنانية، ويعيد المؤسسات الدستورية إلى دورها الطبيعي كأدوات لإنتاج الحلول لا لتكريس الانقسامات.






