القصف الإسرائيلي الذي استهدف فجر اليوم منزلًا في مخيم البريج وخيمة للنازحين في خان يونس يسلط الضوء على طبيعة الحرب الدائرة في غزة، حيث تتحول المساكن والملاجئ المؤقتة إلى أهداف مباشرة للجيش الإسرائيلي. استشهاد ثمانية فلسطينيين، بينهم أربعة أطفال، يضع القضية في إطار أبعد من “الأضرار الجانبية” للحرب، إذ إن استهداف المدنيين والنازحين الذين فقدوا منازلهم أساسًا يضاعف حجم الكارثة الإنسانية ويكشف عن سياسة تتعمد ضرب البنية الاجتماعية للسكان. الخيمة التي قصفت في مواصي القرارة كانت ملاذًا مؤقتًا لعائلة فقدت الأمان، لكنها تحولت إلى ساحة موت، ما يعكس هشاشة الوضع الإنساني في القطاع وغياب أي خطوط حمراء في إدارة العمليات العسكرية.
فرض سيطرة عسكرية ميدانية
في السياق ذاته، لا يمكن فصل هذا التصعيد عن القرارات السياسية التي اتخذتها إسرائيل مؤخرًا، إذ إن موافقة مجلس الوزراء الأمني برئاسة بنيامين نتنياهو على خطط للسيطرة على مدينة غزة تعكس توجهاً نحو توسيع الحرب من عمليات قصف وضربات جوية إلى محاولة فرض سيطرة عسكرية ميدانية. هذه الخطط ترتبط بشكل مباشر بالتصعيد على المدنيين، إذ إن إضعاف الحاضنة الاجتماعية وتدمير مقومات الحياة في المخيمات والمدن يُستخدم كأداة تمهيدية لإفراغ المناطق من السكان أو على الأقل لإخضاعهم لحالة من الانهيار النفسي والمعيشي تتيح السيطرة على الأرض بأقل مقاومة ممكنة.
الأرقام التي أوردتها وزارة الصحة في غزة، والتي تجاوزت حاجز 61 ألف قتيل، تؤكد أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة مع حركة «حماس» كما تدّعي إسرائيل، بل تحولت إلى حرب استنزاف ضد السكان المدنيين. كون هذه الأرقام حظيت بتأكيد الأمم المتحدة كمصادر موثوقة يجعلها جزءًا من السردية الدولية للأزمة، وهو ما يضع إسرائيل أمام اتهامات متزايدة بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. فالاستهداف الممنهج للمنازل والمخيمات لا يندرج في إطار الضرورة العسكرية، بل في سياق معاقبة جماعية ترقى إلى محاولات إحداث تغيير ديمغرافي أو كسر إرادة المجتمع.
أدوات القوة المفرطة
هذا التصعيد يفتح الباب أمام معضلة مركبة: من جهة، يستمر الاحتلال في استخدام أدوات القوة المفرطة لتثبيت مشروعه العسكري والسياسي، ومن جهة أخرى، يتعمق العجز الدولي عن فرض ممرات آمنة أو ضمان حماية للمدنيين، ما يعكس حدود فعالية القانون الدولي في مواجهة قوة عسكرية ماضية في خططها دون اعتبار للتحذيرات الأممية أو الضغوط الحقوقية. في النهاية، ما حدث في مخيم البريج وخان يونس ليس حادثًا معزولًا بل جزء من مسار ثابت، يجعل من المدنيين والنازحين وقودًا لحرب مفتوحة، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي عسير: هل يكتفي بالتنديد أم يتحرك فعليًا لوقف الانهيار الإنساني غير المسبوق في غزة؟






