نالت حرب إيران اهتمام الأوساط الإقليمية والدولية، وبات المشهد في قطاع غزة ومدن وقرى الضفة الغربية، بعيدًا عن الاهتمام الإعلامي والسياسي، ورغم ذلك، تعود القضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش السياسي، عبر مسارات دبلوماسية تحاول إعادة تعريف الحلول الممكنة، بعيداً عن منطق القوة الذي أثبت محدوديته، وهنا تبرز تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى كجزء من محاولة لإعادة بناء مقاربة شاملة تستند إلى الشرعية الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي وقراراته، باعتبارها الإطار الأكثر قابلية لإنتاج تسوية مستدامة.
تتطلب المرحلة الحالية الانتقال نحو معالجة جذوره السياسية، خاصة في ظل فشل الخيارات العسكرية والحصار في تحقيق الأمن أو الاستقرار، وبالتالي التركيز على تنفيذ إعلان نيويورك وقرار مجلس الأمن رقم 2803 كأدوات عملية لإعادة ترتيب المشهد، بدءاً من قطاع غزة، الذي لم يعد يُنظر إليه كأزمة إنسانية منفصلة، بل كجزء لا يتجزأ من المشروع الوطني الفلسطيني.
التهجير القسري لا يمكن أن يمنح شرعية
“تنفيذ إعلان نيويورك وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803 يمثل إطارا عمليا يمكن البناء عليه لتحقيق الاستقرار في غزة، واستعادة الحوكمة، ومعالجة الاحتياجات الأمنية لجميع الأطراف، وإعادة إطلاق الاقتصاد الفلسطيني، والتقدم نحو تجسيد الدولة الفلسطينية ونيل استقلالها بالاستناد إلى القرارات الدولية ذات الصلة”. حسب تصريحات رئيس الوزراء محمد مصطفى.
جاء ذلك خلال كلمته في الاجتماع التاسع للتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، الذي عُقد في العاصمة البلجيكية بروكسل اليوم الاثنين، بمشاركة ممثلين عن أكثر من 80 دولة ومنظمة دولية.
رئيس الوزراء يرى، أن دروس السنوات الأخيرة أثبتت بوضوح أن الحرب لم تُنتج سلاما، وأن الحصار لم يُحقق أمنًا، وأن الاحتلال لم يُفضِ إلى استقرار، كما أن التهجير القسري لا يمكن أن يمنح شرعية، وأن الضم لن يُفضي إلى تعايش، إن الحل السياسي العادل يظل الطريق الوحيد نحو تحقيق السلام والاستقرار”.
غزة ليست مجرد ملف إنساني، وفقا لـ محمد مصطفى – بل هي جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وأن التنفيذ الناجح لقرار مجلس الأمن رقم 2803 يجب أن يقود إلى تسريع تنفيذ الترتيبات الانتقالية التي تُمكّن السلطة الفلسطينية من تولي مسؤولياتها بشكل كامل في قطاع غزة، بما يضمن إعادة توحيد المؤسسات الوطنية بين غزة والضفة الغربية.
تسليم إدارة شؤون غزة إلى السلطة الفلسطينية
وأكد رئيس الوزراء الفلسطيني، على الاستعداد للانخراط في تنفيذ الترتيبات الانتقالية، بالشراكة مع مكتب الممثل الأعلى – مجلس السلام، ومع الأطراف الإقليمية والدولية، وبما ينسجم بشكل كامل مع أحكام القانون الدولي. ويشمل ذلك إعادة ترسيخ النظام العام وسيادة القانون، واستعادة تقديم الخدمات الأساسية، وتنسيق جهود إعادة الإعمار.
إنشاء لجنة مختصة في مكتب رئيس الوزراء، لتكون منصة مركزية للتنسيق مع مكتب الممثل الأعلى، بما يضمن مواءمة الجهود الدولية، وتسريع اتخاذ القرارات في الوقت المناسب، وتعزيز التنفيذ على الأرض، وإدارة عملية لتسليم إدارة شؤون غزة إلى السلطة الفلسطينية في نهاية المرحلة الانتقالية بكفاءة وفاعلية.
وحسب رئيس الوزراء، ضرورة وجود إطار أمني شامل يشكّل ركيزة أساسية لنجاح هذه المرحلة الانتقالية، بما يشمل إنشاء هيكل أمني موحد وقانوني، يخضع للسلطة الشرعية، وذلك من خلال تنسيق فعّال بين القوات الأمنية الدولية والمؤسسة الأمنية الفلسطينية، إذ إن الأمن لا يجب أن يكون مجزأً، بل ينبغي أن يكون مؤسسيًا، خاضعًا للمساءلة، ومرتبطًا بسيادة القانون.
وعلى صعيد الواقعين الأمني والاقتصادي في الضفة الغربية، أكد مصطفى أن السلطة الفلسطينية تتعرض لتقويض منهجي نتيجة السياسات والإجراءات الإسرائيلية، لا سيما على الصعيدين الأمني والاقتصادي، وأن التصعيد المستمر في أعمال العنف، والتوسع الاستيطاني، واعتداءات ميلشيات المستوطنين المتواصلة في ظل إفلات تام من العقاب، وأحيانا بدعم من جيش الاحتلال الإسرائيلي، لا تمثل فقط انتهاكات جسيمة للقانون الدولي ولحقوق الإنسان الأساسية، بل تقوض بشكل مباشر قابلية تحقيق حل الدولتين.
حماية فورية للمدنيين الفلسطينيين
وشدد رئيس الوزراء على أن هذه الممارسات ليست حوادث معزولة، بل تعكس مسارًا عدوانيًا ممنهجا يجب إيقافه، داعيا إلى توفير حماية فورية للمدنيين الفلسطينيين، وتعزيز الآليات الدولية لضمان المساءلة، وحماية المجتمعات الأكثر عرضة للخطر. مشيرًَا إلى أن استمرار احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، إلى جانب القيود المفروضة على النظام المصرفي الفلسطيني، قد أدى إلى تفاقم أزمة مالية واقتصادية عميقة، وأضعف القدرة على الحوكمة، وقوّض صمود المؤسسات، وأثر سلبًا في ثقة المواطنين، بما ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار وفرص تحقيق حل الدولتين. حسب وكالة وفا.
وحول الإصلاح المؤسسي والأمني الفلسطيني، قال رئيس الوزراء: “إن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يُبنى من خلال مؤسسات قوية وشرعية، وقد أحرزت السلطة الفلسطينية تقدمًا ملموسًا في تنفيذ أجندة الإصلاح الشامل، خاصة في مجالات تعزيز سيادة القانون، وزيادة الشفافية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين”.
وتابع: “تتركز جهودنا في إصلاح قطاع الأمن، بدعم من شركائنا الدوليين، على بناء جهاز أمني مهني، ومدني، وخاضع للمساءلة. كما نعمل على تعزيز منظومة العدالة وسيادة القانون، بما يضمن أن تخدم مؤسساتنا شعبنا وتحمي حقوقه”. مشددًا على أن هذه الإصلاحات ليست نظرية، بل هي خطوات عملية تُنفذ على أرض الواقع وقد أنجز ما يزيد على 70% من خطة الإصلاح التي تعمل على تنفيذها الحكومة الفلسطينية وستنتهي منها مع نهاية العام الحالي، بما يعكس التزامنا بالحكم الرشيد، والاستعداد لتحمل المسؤوليات الكاملة لدولة مستقلة ذات سيادة.
جهود الشركاء الدوليين
وفي هذا السياق، ثمّن مصطفى دور الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والشركاء الدوليين الآخرين، ومساهماتهم في دعم إدارة الحدود، وتعزيز سيادة القانون، وبناء المؤسسات، مؤكدا أن هذه الجهود، على أهميتها، يجب أن تندرج ضمن إستراتيجية سياسية شاملة تقود إلى تحقيق السيادة.
وأعرب رئيس الوزراء عن خالص تقديره للرئيسين المشاركين، المملكة العربية السعودية ومملكة النرويج، إلى جانب جميع الدول والمؤسسات المشاركة، على مواصلة دفع هذا المسار الدولي الذي انطلق في سبتمبر 2024، وتُوّج بإعلان نيويورك خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025.




