روايات مليئة بالمعلومات والأحداث التاريخية، تشهدها مدينة الأغوار الفلسطينية، حيث تتحول الحكايات الشعبية إلى مرآة لواقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم، إذ لم تعد مدينة أريحا، إحدى أقدم مدن العالم، التي يتواجد بها منطقة “حلق الرمانة” مجرد اسم لمكان ارتبط بخصوبة الأرض وذاكرة الأهالي، بل باتت عنواناً لمعاناة يومية تعكس تحولات متسارعة في المشهد الفلسطيني.
في هذا المضيق الجبلي الصغير، تتجسد مفارقة لافتة بين الماضي والحاضر؛ حيث كانت شجرة الرمان المعمرة رمزاً للحياة والاستقرار، بينما أصبحت اليوم شاهداً صامتاً على واقع من التضييق والتهديد المستمر، ومع تصاعد الاعتداءات وتكرارها، من جانب المستعمرين الإسرائيليين، لم يعد الأمر يقتصر على حوادث متفرقة، بل بات يُقرأ في سياق نمط ممنهج يستهدف إعادة تشكيل الوجود السكاني في المنطقة.
إغلاق الطرق وسيطرة المستعمرين
“نصف السكان اضطروا للرحيل بفعل اعتداءات المستعمرين، حيث تراجع عدد الأسر من نحو 30 إلى قرابة 15 أسرة.. ورغم أن المسافة الهوائية بين حلق الرمانة ومناطق الخدمات في بلدية الديوك والنويعمة المجاورة لا تتجاوز 400 متر، إلا أن إغلاق الطرق وسيطرة المستعمرين أجبرت المواطنين على سلوك طرق التفافية طويلة تمتد لعدة كيلومترات”.
كما أن نحو 170 رأساً من الأغنام سُرقت خلال الفترة الأخيرة من أحد المواطنين من عائلة مليحات، ما دفع الأهالي إلى تقليص تربية المواشي خوفاً من السرقة، مؤكداً أن “حتى الدواجن لم تسلم”. حسب تصريحات جهاد المحاليس، أحد سكان المنطقة والمتحدث باسم اللجان الأهلية لمتابعة قضايا الاستعمار في الديوك والنويعمة بمحافظة أريحا لوكالة وفا.
بينما يشير الأهالي إلى تعرضهم لاقتحامات متكررة من المستعمرين، تشمل سرقة الممتلكات، وملاحقة الرعاة، وإتلاف مصادر الرزق، وإغلاق الطرق الترابية، ومنع الوصول إلى الأراضي، إلى جانب اعتداءات جسدية وترويع للنساء والأطفال خلال السنوات الأخيرة.
سياسة ممنهجة لتهجير السكان
“حلق الرمانة” يعد أحد التجمعات الفلسطينية المستهدفة، وتمتد أراضيه من وادي المقوق شمالاً حتى وادي القلط جنوباً، بمساحة تُقدّر بنحو 16 ألف دونم، فيما لا تتجاوز المساحة السكنية 100 دونم. وحول تسمية المنطقة، يوضح محاليس أن خصوبة الأرض ووجود شجرة الرمان المعمرة في هذا المضيق كانا سبباً في إطلاق الاسم عليها.
ويقطن في “حلق الرمانة” نحو 100 نسمة، بين من يعمل خارج المنطقة ومن يصرّ على البقاء رغم صعوبة الحياة، في ظل تكرار اعتداءات المستعمرين بهدف “تطفيش” الأهالي. ويتقاطع هذا الحديث مع ما أكده المشرف العام لمنظمة “البيدر” للدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات، الذي أشار إلى أن مصطلح “التطفيش” يعكس سياسة ممنهجة تستهدف تهجير السكان.
قيود على الحركة
ووفق توثيقات ميدانية وشهادات مباشرة، سُجل نحو 70 اعتداءً منذ بداية العام، جميعها تندرج ضمن نمط من التهجير التدريجي والمنهجي. ويؤكد مليحات: “ما يجري في حلق الرمانة لا يختلف عما حدث في عين العوجا وعرب المليحات، إذ تُنفذ هذه الهجمات ضمن سياسة “النار البطيئة” التي تجعل الحياة اليومية لا تُطاق، تمهيداً لتهجير السكان”. حسب وفا.
ويضيف أن الاعتداءات ازدادت كثافة وتنظيماً منذ عام 2023، وتشمل محاولات السيطرة على محيط التجمع وفرض قيود على الحركة والرعي، ما يخلق بيئة طاردة للسكان. ورغم ذلك، لا تزال بعض العائلات متمسكة بأرضها، وتطالب بشق طريق مختصر بطول نحو 450 متراً يصل إلى مساكنها، بدلاً من الطريق الحالي الذي يمتد لعدة كيلومترات.




