في مشهد يعكس انفجار التناقضات داخل الساحة السورية، ومع تصاعد المواجهات المسلحة في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، خرج الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز مشايخ العقل في المنطقة، لينفي بشكل قاطع وجود أي اتفاق مع الحكومة السورية بشأن وقف إطلاق النار أو إعادة دمج المحافظة ضمن منظومة الدولة. هذا النفي جاء كرد مباشر على ما أعلنته وزارة الداخلية السورية، التي تحدثت في وقت سابق عن “تفاهم شامل” تم التوصل إليه، في محاولة واضحة لتثبيت سردية رسمية حول ما يجري في الجنوب.
لكنّ ما زاد المشهد التباسًا هو التصعيد الإسرائيلي الحاد، الذي تزامن مع هذه الأحداث، وامتد ليضرب قلب العاصمة السورية دمشق، مستهدفًا مبنى رئاسة هيئة الأركان بثلاث غارات متتالية، في تصعيد يُعتبر من الأعنف منذ سنوات الحرب الأولى.
دمشق تحت النار: رسائل جوية إسرائيلية في توقيت داخلي حساس
الغارات الإسرائيلية التي استهدفت دمشق لم تكن عبثية أو عابرة، بل جاءت مصحوبة برسائل مباشرة من الجيش الإسرائيلي، الذي أكد أن “الضربات الجوية رسالة موجهة للشرع بشأن أحداث السويداء”، بحسب المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي.
وفي مشهد تصعيدي جديد، كررت الطائرات الإسرائيلية غاراتها على مواقع للجيش السوري داخل محافظة السويداء، مدعية أن تلك المواقع تمثل تهديدًا للمدنيين الدروز. وقد أسفرت تلك الهجمات مجتمعة عن استشهاد ثلاثة أشخاص وإصابة 34 آخرين، في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع، وسط فوضى أمنية وخدماتية متصاعدة.
وتزامن القصف مع تصريحات حادة لوزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي توعد بمواصلة الهجمات ضد القوات السورية “حتى انسحابها الكامل من مناطق الدروز”، مشددًا على أن “إسرائيل لن تتخلى عن الدروز في سوريا”. ورافق ذلك نشر تعزيزات إضافية على الحدود الشمالية، وسط أنباء عن دخول الشرطة الإسرائيلية فعليًا الأراضي السورية لإعادة دروز عبروا الحدود نحو الداخل.
السويداء تنزف: لا هدنة في الأفق وسقوط عشرات القتلى
على الأرض، لا تزال السويداء تعيش واحدة من أكثر لحظاتها دموية منذ اندلاع الانتفاضة ضد السلطة المركزية في دمشق. فقد وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل ما لا يقل عن 169 شخصًا خلال أقل من أسبوع، بينهم نساء وأطفال وعناصر من الطواقم الطبية، إضافة إلى أكثر من 200 جريح، في ظل انقطاع شبه كامل للخدمات الطبية وانهيار متواصل للبنى التحتية.
يعود شرارة التصعيد إلى دخول مفاجئ لوحدات من الجيش السوري والأمن الداخلي إلى المدينة يوم الأحد، بهدف “استعادة النظام” وفرض سيطرة الدولة بعد شهور من “الفراغ الأمني”، بحسب الرواية الرسمية. ورغم ترحيب مبدئي صدر عن “الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز”، فإنّ الشيخ حكمت الهجري، الذي يحظى بثقل شعبي وروحي واسع، رفض لاحقًا هذا المسار، ودعا إلى “مقاومة الوجود العسكري”، ما أطلق شرارة اشتباكات عنيفة في أنحاء متفرقة من المحافظة.
المجتمع الدولي يستفيق: قلق عربي ودولي من التصعيد
دوليًا، أثارت التطورات المتسارعة في الجنوب السوري سلسلة من المواقف المنددة، كان أبرزها من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أعرب عن “قلق بالغ” إزاء التصعيد، مطالبًا بـ”وقف فوري للغارات الجوية واحترام سيادة سوريا”. وصدرت إدانات من دول عربية عديدة، منها قطر، الأردن، العراق، الكويت، مصر، ومجلس التعاون الخليجي، إلى جانب تركيا وفرنسا، وجميعها أكدت رفضها للضربات الإسرائيلية ودعت إلى احترام وحدة الأراضي السورية.
في المقابل، دان المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، ما وصفه بـ”العنف غير المبرر ضد المدنيين في السويداء”، ودعا إلى وقف إطلاق النار، في موقف يعكس قلق واشنطن من تفاقم التوتر الإقليمي، خاصة في ظل الغموض المحيط بالدور الإسرائيلي المباشر في المعركة.
خريطة غامضة ومشهد مفتوح على التصعيد
السويداء اليوم ليست مجرد ساحة معركة بين المعارضة والنظام، ولا ساحة لاستعراض القوة الإسرائيلية، بل تمثل اختبارًا سياسيًا معقدًا لحكومة دمشق، التي تواجه تصدعًا في الشرعية، حتى في المناطق التي كانت تُعد سابقًا “محايدة”. وفي غياب حل سياسي، تبدو الغارات الإسرائيلية كأنها محاولة لفرض وقائع جديدة، واستثمار الشرخ الداخلي في الجنوب السوري لتوسيع النفوذ، تحت غطاء “الحماية الطائفية”.
في المقابل، لا تزال السلطة المركزية في دمشق تُراهن على أن الوقت كفيل بإعادة السيطرة، مستندة إلى دعم حلفائها التقليديين. لكنّ الواقع على الأرض يكشف عن معركة مفتوحة، ليس فقط بالسلاح، بل بالرمزية والشرعية.
السويداء بين نيران الداخل وغارات الخارجقد لا تكون المعركة في السويداء هي الأعنف في تاريخ الحرب السورية، لكنها بالتأكيد الأخطر من حيث تداعياتها السياسية والمجتمعية. فحين يتمزق الداخل على وقع غارات الخارج، تتهدد البلاد بانزلاق أوسع، تكون فيه الطوائف وقودًا، والدولة مجرد ظلّ يُنازع على البقاء.





