يمثل وصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة حدثًا استثنائيًا في مسار العلاقات الدولية، إذ تعد هذه الزيارة الأولى لرئيس سوري إلى واشنطن منذ عقود. وتأتي هذه الخطوة في لحظة سياسية فارقة، حيث تسعى دمشق إلى إعادة تموضعها على الساحة العالمية، مستفيدة من المناخ الجديد الذي أوجدته قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وعلى رأسها رفع العقوبات عن سوريا في أيار الماضي. الشرع وصف هذا القرار بأنه “تاريخي وشجاع”، معتبرًا أنه فتح الباب أمام مسار جديد من العلاقات الثنائية، قد يضع حدًا لسنوات طويلة من القطيعة والعداء.
نحو استعادة العلاقات السورية – الأميركية
في مقابلة مع شبكة “سي بي إس نيوز”، أكد الرئيس الشرع رغبته في لقاء جديد مع الرئيس ترمب، مشددًا على أن إعادة العلاقات المباشرة بين دمشق وواشنطن ضرورة استراتيجية. وأوضح أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية إنسانية في رفع العقوبات بشكل كامل، إذ إن استمرارها لا يعني سوى تكريس معاناة السوريين. الشرع استحضر خطابًا واضحًا يربط بين رفع العقوبات ووقف “التواطؤ الدولي في قتل الشعب السوري”، على حد وصفه، ما يعكس محاولة لوضع قضية العقوبات في صدارة النقاشات الدبلوماسية.
سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الأسد
من النقاط البارزة في تصريحات الشرع، إشارته إلى أن الإطاحة بنظام بشار الأسد فتحت صفحة جديدة في تاريخ سوريا، سمحت بعودة الأمل إلى اللاجئين والنازحين. وأكد أن حكومته تصدت لملفات شديدة التعقيد، بدءًا من مواجهة الأسلحة الكيميائية، وصولًا إلى الحرب ضد تنظيم “داعش”، وانتهاءً بعملية طرد الميليشيات الإيرانية وحزب الله من الأراضي السورية. هذه السردية تسعى لتقديم الإدارة الحالية كبديل وطني، لا يحمل عبء الارتباطات الخارجية التي لطالما أثارت حساسية المجتمع الدولي والإقليمي.
ملامح مرحلة جديدة في العلاقات الدولية
زيارة الشرع إلى واشنطن تمتد لخمسة أيام يرافقه خلالها وفد وزاري رفيع المستوى، في مؤشر على أن جدول الأعمال سيكون حافلًا بملفات سياسية واقتصادية وأمنية. ومن بين القضايا المتوقع طرحها، إعادة فتح السفارة السورية في العاصمة الأميركية، وهو ما سيشكل تحولًا جذريًا في المشهد الدبلوماسي، نظرًا لأن آخر وجود رسمي سوري في واشنطن يعود إلى ستينيات القرن الماضي. كما سيُلقي الشرع كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في أول ظهور لرئيس سوري على هذا المنبر منذ عام 1967، ليعرض خلالها رؤيته لمستقبل “سوريا الجديدة” وعلاقتها بالنظام الدولي.
قراءة أوسع للزيارة وأبعادها
يمكن النظر إلى هذه الزيارة من زاويتين رئيسيتين: الأولى أنها تعكس إدراكًا أميركيًا لأهمية استعادة سوريا إلى الحظيرة الدولية بعد سقوط نظام الأسد وتراجع النفوذ الإيراني؛ والثانية أنها تمثل اختبارًا لقدرة القيادة السورية الجديدة على صياغة خطاب يوازن بين الداخل والخارج، وبين مقتضيات الهوية الوطنية والرهانات الجيوسياسية. فبينما ترى دمشق أن لحظة الانفتاح هذه فرصة تاريخية لكسر العزلة، يترقب المجتمع الدولي ما إذا كانت هذه الخطوات ستترجم إلى سياسات عملية تعيد سوريا إلى دورها الطبيعي كفاعل إقليمي، لا كساحة صراع.






