في عالم باتت فيه الأزمات الجيوسياسية والمناخية تتداخل بصورة غير مسبوقة، لم تعد أسواق الغذاء العالمية رهينة لعوامل العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت تتأثر بسلسلة متشابكة من الصدمات المتزامنة.
وتواصل الحرب الإيرانية إرباك أسواق الطاقة والشحن ورفع تكاليف الإنتاج، في المقابل، تلوح في الأفق ظاهرة مناخية قد تكون من بين الأقوى في التاريخ الحديث، مع توقعات بتطور ظاهرة “النينيو” إلى مستوى استثنائي يهدد الإنتاج الزراعي في عدد من أهم الدول المصدرة للغذاء.
النينيو تضخم مناخي يهدد الأسواق العالمية
هذا التزامن بين التوترات الجيوسياسية والتقلبات المناخية يفتح الباب أمام موجة جديدة من التضخم الغذائي، ويضع الاقتصادات العالمية، ولا سيما الدول النامية، أمام اختبار صعب في مواجهة ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد، في وقت لا تزال فيه آثار الأزمات السابقة تلقي بظلالها على الأمن الغذائي العالمي.
وقال العلماء إن ظاهرة النينيو 2026-2027 – التي تتشكل عندما تسمح التغيرات في أنماط الرياح بانتشار المياه الدافئة عبر وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي – لديها فرصة غير مسبوقة تاريخياً للتطور إلى حدث “قوي جداً” يؤدي إلى موجات الحر والفيضانات والطقس العاصف. حسب صحيفة الغارديان البريطانية.
وأكدت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA) الشهر الماضي أن ظروف الاحترار بدأت تترسخ في المحيط الهادئ وأن هناك احتمالاً بنسبة 63٪ أن تتجاوز درجات حرارة سطح البحر درجتين مئويتين فوق المعدل الطبيعي في وقت لاحق من هذا العام.
تاريخ الكوارث المناخية يعيد نفسه بصورة أشد
وفي وقتٍ تعاني فيه الأسر حول العالم من ضغوطٍ متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، يقول الخبراء إن ظاهرة النينيو الشديدة قد تزيد من هذه الضغوط. كما أن احتمال حدوث صدمة تضخمية جديدة يُقلق البنوك المركزية، مما يزيد من المخاوف من إمكانية الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة.
وكتب محللون في بنك يونيكريديت الإيطالي في مذكرة بحثية: “يعيد النينيو قضية “التضخم المناخي” إلى الواجهة. وتُذكّر موجات الحر الأخيرة في أوروبا بأن الوضع المناخي الأساسي آخذ في التغير. وقد يُضيف النينيو طبقة جديدة من الضغط في وقت لاحق من هذا العام، إذ يُضخّم آثار الاحتباس الحراري”.
لهذه الظاهرة الطبيعية تاريخٌ طويلٌ في التأثير على المحاصيل وشبكة الإمداد الغذائي. فقبل أكثر من قرن، تسببت ظاهرة النينيو، التي يُرجّح أنها كانت الأشدّ على الإطلاق، في موجات جفاف كارثية اجتاحت الصين وجنوب أفريقيا والبرازيل ومصر والهند. وقد أدّت هذه الظاهرة إلى مجاعةٍ في ظلّ ظروفٍ تفاقمت بسبب الحكم الاستعماري، ما أسفر عن مقتل الملايين، بمن فيهم أكثر من ستة ملايين شخص في الهند خلال الفترة 1876-1878.
وشهدت ظواهر النينيو في الأعوام 1981-1982، و1996-1997، و2015-2016، و2023-2024 بعضًا من أقوى الظواهر المسجلة. ومع ذلك، تشير توقعات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) إلى أن دورة 2026-2027 قد تكون أشدّ وطأة، مما يزيد من خطر الجفاف والفيضانات التي قد تؤثر على المحاصيل والإمدادات الغذائية في جميع أنحاء العالم.
أسعار الغذاء أمام موجة ارتفاع جديدة حتى 2028
وبحسب محللين في غولدمان ساكس، قد تتسبب قوة ظاهرة النينيو الحالية في ارتفاع أسعار السلع الغذائية العالمية بنسبة 15.8%. وسيكون لذلك تأثير متسلسل على مستوى العالم، بما في ذلك على المستهلكين في أوروبا، حيث توقعت الدراسة ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.3% في منطقة اليورو.
مع ذلك، سيستغرق ظهور التأثير الكامل وقتاً نظراً لكيفية تغلغل تكلفة تغير المناخ في الإمدادات الغذائية العالمية. ونتيجة لذلك، ذكرت غولدمان ساكس أن العواقب قد لا تظهر بشكل كامل حتى النصف الثاني من عام 2028.
يعود معظم التأخير إلى توقيت الظروف الجوية القاسية التي تؤثر على إنتاج الغذاء، نظراً لاختلاف دورات الزراعة والنمو والحصاد لأنواع المحاصيل المختلفة. كما ستؤثر التحديات اللوجستية، بما في ذلك مستويات المياه في القنوات والأنهار المستخدمة للشحنات الرئيسية، على هذا التأخير أيضاً.
الحرب الإيرانية تضاعف اضطرابات سلاسل الإمداد
ويقول المحللون إن ظاهرة النينيو ستزيد من حدة الاضطرابات الناجمة عن الحرب الإيرانية، وذلك بإضافة مشاكل في سلاسل الإمداد الغذائي إلى جانب ارتفاع الأسعار أصلاً، ونقص الأسمدة وإمدادات الطاقة. وأضاف محللو بنك يو بي إس: “حتى الاضطرابات الطفيفة في الإمدادات قد تؤدي إلى تحركات سعرية كبيرة تتجاوز ما تشير إليه الأنماط التاريخية”.
عادةً ما تؤدي ظاهرة النينيو إلى زيادة مخاطر الجفاف في جنوب أفريقيا وشمال أمريكا الجنوبية، بالإضافة إلى الفيضانات في جنوب البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي. ويقول المحللون إن الدول ذات الدخل المنخفض – التي تضررت بشدة بالفعل من الصراع الإيراني – هي الأكثر عرضة للمعاناة.
وكتب محللو غولدمان ساكس: “بدأت ظاهرة النينيو بالفعل في التأثير على المحاصيل، مما أدى إلى موسم أمطار موسمية أكثر جفافاً في الهند، حيث لم تشهد بعض المناطق سوى 25% من معدل هطول الأمطار المعتاد، ولم تتلق أجزاء من وسط الهند سوى 50%، الأمر الذي قد يؤثر على إمدادات القمح والأرز وقصب السكر”.
المحاصيل الاستراتيجية في مرمى الجفاف والفيضانات
ويضيف المحللون أن موجات الجفاف في جنوب شرق آسيا قد تؤثر على إمدادات زيت النخيل، وهو مكون رئيسي في الأغذية المصنعة، كما قد تتأثر محاصيل البن والكاكاو. وقد تؤدي الظروف المناخية الأكثر دفئًا ورطوبة إلى تفاقم انتشار الأمراض، مما سيؤثر سلبًا على غلة المحاصيل في السنوات المقبلة.
في أمريكا الشمالية، يكون تأثير ظاهرة النينيو أقوى في فصل الشتاء، وبينما يمكن أن تتأثر الظروف في أوروبا بهذا الحدث المناخي، يقول المحللون إن عوامل أخرى – مثل التأثير على أسعار الغذاء العالمية – ستكون هي التي ستؤثر على النتائج.
قبل ثلاث سنوات، قدر البنك المركزي الأوروبي أن ظاهرة النينيو القوية يمكن أن ترفع أسعار السلع الغذائية العالمية بنسبة تصل إلى 9٪، مع تسجيل فول الصويا والذرة والأرز لأكبر الارتفاعات.
العالم أمام اختبار الأمن الغذائي الأكبر
يعتمد انعكاس الأسعار على رفوف المتاجر على استراتيجيات التخفيف والسياسات المحلية. كما تلعب عوامل أخرى مثل طلب المستهلكين وأسعار التجزئة دورًا في ذلك.
بحسب بنك يونيكريديت، لا تزال احتمالية حدوث سيناريو متطرف لظاهرة النينيو مرتفعة. وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض الإنتاج الزراعي العالمي بنسبة 14.3%، أي ما يعادل 342 مليار دولار (254 مليار جنيه إسترليني) من الخسائر في الإنتاج، وفقًا للبنك.
قال البنك: “قد تصل صدمات الأسعار إلى ما بين 10% و50% في السلع الأساسية، بينما قد ترتفع أسعار المحاصيل الأكثر عرضة للخطر – بما في ذلك الأرز وزيت النخيل والسكر والبن – بنسبة تتراوح بين 50% و100% أو أكثر”. وأضاف: “يدخل النظام الغذائي النصف الثاني من عام 2026 ولديه احتياطيات، لكن هامش الخطأ لديه ضئيل للغاية”.






